موجودا ومعروفا قبل هذا التاريخ كما في قوله (قبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف غير مرتبة) . وهذا ما يؤكد على أن التدوين والتصنيف لم يبدأ في العصر العباسي حسبما ظن بعض الدارسين الذين هدفوا إلى جعل قضية الثقافة والتأليف عند العرب كأنها فرع من الثقافة الفارسية وليست عربية المنبع، فالتدوين كان موجودا عند العرب منذ العهد الإسلامي الباكر، فقد ورد ذكر أسماء لعدة مدونات كانت موجودة في الصدر الأول للإسلام [1] إلا أن عامل الضياع الذي تعرضت له الكتب العربية التي دونت في هذا العصر المبكر ساعد على جعل صورة التدوين الأولى عند العرب غير واضحة المعالم لكنها ثابتة في الأصول التي وصلت إلينا فهي تحوي على العديد من النصوص المنقولة عن المدونين الأوائل ولكن بقي ذلك في نطاق محدود، وموجة التأليف التي ازدهرت في عهد العباسيين لم تكن إلا الحصاد لما بذر سابقا، والثمار لغراس ثابتة الجذور، وهذه سنة النشوء يبدأ الشيء صغيرا ثم يتدرج مع الأيام نموا، وكلما مرت الأيام كانت خطوات التقدم أوسع من ذي قبل.
أما الأمر الثاني الهام الذي نستنتجه من نص الذهبي فهو أنه لم يذكر علم الأنساب كعلم مستقل في موضوعه بين العلوم التي ذكرها كالحديث والفقه والتفسير والعربية والتاريخ وأيام الناس مما يدل على أن علم الأنساب حتى ذلك التاريخ كان مرتبطا بعلوم أخرى بصلة وثيقة مثل علم السيرة والمغازي إذ نلاحظ لدى مراجعة الكتب التي صنفت في موضوعها أنه ما من كتاب ألف في هذا المجال إلا وكان فيه فصل خاص للحديث عن أنساب القبائل العربية وخاصة قريش وبالتحديد بنو هاشم إذ إليهم يرجع نسب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم [2] . وارتبط علم النسب أيضا ارتباطا وثيقا بكتابة التاريخ وأيام الناس والأخبار، وغالبا ما كان النسابة يعرف بأنه عالم بالأخبار وأيام العرب والأشعار مثل الشرقي بن القطامي ودغفل السدوسي الذهلي وزهير بن ميمون القرقبي وكثيرا ما كان الأخباري يوصف بالنسابة مثل عوانة بن الحكم والمدائني، ونلاحظ اقتران الأنساب بالأخبار كذلك في أسماء الكتب التي ورد ذكرها في المصادر، فقد ذكر النديم كتابا
(1) راجع تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين م 1ج 2ص 12.
النجوم الزاهرة ابن تغرى بردى 1/ 351، تاريخ الخلفاء السيوطي ص 261.
(2) مثال كتاب المغازي والسير لمحمد بن شهاب الزهري المتوفي 124هـ أورد فيه فصلا خاصا للنسب النبوي القرشي وعلى ذلك النهج سار مصنفو السيرة في ما بعد.