رأيتنى ليلة الهرير بصفّين وقد أتيت بفرس أغرّ محجّل بعيد البطن من الأرض، وأنا أريد الهرب لشدة البلوى، فما حملنى على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة [1] :
[الوافر]
أبت لى همّتى وأبى بلائى ... وأخذى الحمد بالثّمن الرّبيح [2]
وإقحامى على المكروه نفسى ... وضربى هامة البطل المشيح [3]
وقولى كلّما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدى أو تستريحى [4]
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمى بعد عن عرض صحيح
ويروى أن أعرابيا وقف على علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فقال: إن لى إليك حاجة، رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى، وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله [5] وعذرتك، فقال له علىّ: خطّ حاجتك في الأرض، فإنى أرى الضّرّ عليك، فكتب الأعرابىّ على الأرض: إنى فقير، فقال علىّ:
يا قنبر، ادفع إليه حلّتى الفلانية، فلما أخذها مثل بين يديه، وقال [6] : [البسيط]
كسوتنى حلّة تبلى محاسنها ... فسوف أكسوك من حسن الثّنا حللا
إنّ الثّناء ليحيى ذكر صاحبه ... كالغيث يحيى نداه السّهل والجبلا
لا تزهد الدّهر في عرف بدأت به ... فكلّ عبد سيجزى بالّذى فعلا
(1) هو عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر الخزرجى، شاعر جاهلى، ينسب إلى أمه الإطنابة بنت شهاب من بنى القين، كان أشرف الخزرج، وهو شاعر فارس معروف.
المعارف 598، ومعجم الشعراء 8، ومن اسمه عمرو من الشعراء 67والأغانى 11/ 121، وسمط اللآلى 1/ 575
(2) انظر القصة والأبيات في عيون الأخبار 1/ 126ضمن خمسة أبيات، وكذلك في ديوان المعانى 1/ 114، وفى المصون 133، وفى وقعة صفين 404، وجاءت الأبيات الأربعة في الأمالى 1/ 258، ومعجم الشعراء 9، ومن اسمه عمرو 68والعقد الفريد 1/ 104، ومجالس ثعلب 1/ 67، وجمع الجواهر 97، وحماسة البحترى، وجاءت الثلاثة الأولى في وقعة صفين 395، وجاء الثانى منفردا في الكامل 1/ 89، ثم جاءت الثلاثة الأولى في الكامل 4/ 68، وشرح نهج البلاغة 2/ 323و 324، وجاء البيتان الأولان في سمط اللآلى 1/ 574، وجاءت الثلاثة الأولى في الزهرة 2/ 681والثالث في الحلية 1/ 280 و 298و 299و 352والمجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث 1/ 384مع بعض اختلاف.
(3) الهامة: رأس كل شىء، وتطلق على الجثة. المشيح: الطويل، والغيور الحازم.
(4) جشأت: هاجت. جاشت: اضطربت.
(5) فى المطبوعتين: «حمدت الله تعالى» .
(6) انظر الحكاية والأبيات في المستطرف 1/ 355