فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 572

وتحرجت أن أعيد الكتاب في اليوم التالى، ولكننى أبقيته مدة الأسبوع التى شرطها أمين المكتبة، حتى لا أظهر أمامه بمظهر غير لائق، وفى خلال هذا الأسبوع لم أمتنع عن تقليب صفحات الكتاب فشدنى ما فيه من دفاع عن الشعر، كما جذبتنى أشعار الخلفاء والولاة والفقهاء.

وفى السنة الأولى الثانوية بالأزهر كنا ندرس مادة العروض والقوافى، وكان يدرسها لنا رجل من أفاضل علماء الأزهر علما وخلقا هو الشيخ عبد الظاهر معاذ رحمه الله فقد كان عند ما يريد أن يقطّع لنا بيتا من الشعر يدق بيديه على المكتب الذى أمامه دقات تتناسب مع الوزن الذى ينطقه بفمه، وكان قبل ذلك قد عرّفنا أن الخليل بن أحمد عرف الأوزان من دقات النحاسين الذين يصنعون أوانى النحاس.

وعند ما أخذ يشرح لنا بحر الوافر ذكر لنا الزحافات والعلل العروضية التى تدخله، وذكر منها القطف، وهنا تذكرت أن الموجود في كتاب العمدة 1/ 181هو القطع، فاستأذنت من الشيخ وقلت له: إن كتاب العمدة يذكر القطع، ولم أذكر ذلك إلا لأتباهى بأننى أقرأ كتابا أكبر من سنى، فقال لى الشيخ بأدب: إن القطع يا بنى لا يدخل بحر الوافر، ولكننى أحببت أن أعرفه أننى صادق فيما قلته حتى لا يغضب منى، فأحضرت له الكتاب في اليوم التالى، فنظر فيه، ونظر إلىّ، ولم يعلق، وأحسست أن الشيخ عرف غرضى، ولكننى لم أفهم معنى سكوته إلا بعد زمن طويل!!

ولم تنقطع علاقتى بالعمدة في فترة المرحلة الثانوية، وإنما كنت أقرأ فيه على فترات متباعدة، ولكن زادت صلتى بالعمدة عندما التحقت بكلية اللغة العربية.

كانت الفترة التى التحقنا فيها بالكليات فترة اضطراب من جميع النواحى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكان الإنسان في تلك المدة 19641959 لا يستطيع أن ينظر إلى الحياة إلا بمنظار أسود قاتم السواد، وقد أراد الله لى أن لا أنخرط في أى اتجاه سياسى، لأننى لا أحب السياسية من جميع جوانبها، ومن هنا وجدت قدماى تجريان إلى دار الكتب المصرية في باب الخلق، وكانت قريبة من مسكنى من ناحية، ولن تكلفنى مالا وهو الأهم من ناحية أخرى.

وقد بهرنى في دار الكتب مجموعة من كتب التراث على رأسها كتاب الأغانى، وكتاب الأمالى، ونهاية الأرب وغيرها مما كان موجودا في قاعة القراءة الكبيرة الهادئة، فكنت أقرأ في هذه الكتب وآكل ما أقرأ، وكنت لا أخرج من الدار إلا عند ما ينادى المنادى أن الوقت قد انتهى، وكان زملائى في المسكن يظنون أننى أدخل السينما في كل

ليلة لأنهم يعرفون أننى كنت أدخلها كل يوم خميس ونحن في المرحلة الثانوية وكنا في الريف، فما بالنا إذا كنا في القاهرة!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت