وقد بهرنى في دار الكتب مجموعة من كتب التراث على رأسها كتاب الأغانى، وكتاب الأمالى، ونهاية الأرب وغيرها مما كان موجودا في قاعة القراءة الكبيرة الهادئة، فكنت أقرأ في هذه الكتب وآكل ما أقرأ، وكنت لا أخرج من الدار إلا عند ما ينادى المنادى أن الوقت قد انتهى، وكان زملائى في المسكن يظنون أننى أدخل السينما في كل
ليلة لأنهم يعرفون أننى كنت أدخلها كل يوم خميس ونحن في المرحلة الثانوية وكنا في الريف، فما بالنا إذا كنا في القاهرة!!
وفى أثناء دراستنا في الكلية فوجئنا بقانون تطوير الأزهر، فكان هذا بمثابة قتل لنا نحن الأزهريين جميعا، الفقراء والأغنياء على السواء وذلك لأننا تجمّدنا سنة كاملة سمّيت سنة التطوير، وكنا لا نستطيع أن نسمى هذه السنة التسميات المعروفة لدينا وهى السنة الأولى أو الثانية إلى آخره، ولذلك قال أحد الزملاء الظرفاء: إن هذه السنة كالبغل لا هى حمار ولا هى حصان، وانتهت هذه السنة بحلوها ومرها، ولم نستفد منها إلا دراسة بعض مواد لم نكن درسناها في السنتين السابقتين، وكان من نصيبى أن أدرس اللغة العبرية.
ولما انتظمنا في دراستنا في العام التالى وهى السنة الثالثة فوجئنا بمجموعة من أساتذة كلية دار العلوم يدرسون لنا، كان على رأسهم أستاذى الدكتور محمد غنيمى هلال رحمه الله الذى كان يدرس لنا كتابه من قضايا النقد الأدبى، الذى سماه فيما بعد قضايا النقد الأدبى، ولهذا التغيير قصة ليس هنا مجال ذكرها.
وفى أثناء شرحه لنا ذكر أن بندتو كروتشيه يقول: إن العلم المجرد إذا سيطر على القصيدة فإنه يحولها من شعر إلى نظم، وكان رحمه الله يذكر هذا القول ويمجد صاحبه الذى كشف عن شىء خبىء لم ينتبه إليه الآخرون.
وبعد المحاضرة سرت مع أستاذى وذكرت له أن ابن رشيق القيروانى قال في العمدة شيئا مثل هذا، وهو قبل هذا الناقد الخواجة، فضحك رحمه الله وقال لى: هات لى كتاب العمدة، فكان هذا سببا في أن أشترى كتاب العمدة، وأقتطع جزءا من المال الذى آكل منه، وللأسف ضاعت هذه النسخة، واشتريت غيرها بعد سنوات، فلما أريته ما قاله ابن رشيق 1/ 128: والفلسفة وجر الأخبار شىء آخر غير الشعر فرح فرحا كبيرا وقال لى بأدب وتواضع العلماء: إننى قرأت هذا الكتاب ولم أنتبه لهذا القول، وكان ذلك سببا في صداقة كبيرة جرّت علىّ متاعب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها [1] .
وانتهت مرحلة الدراسة بحلوها ومرها، ولم تنته علاقتى بالعمدة فأخذت أقرأ ما فيه بتأنّ بعد أن فتحت لى الدراسة الجامعية كثيرا من مغاليق هذا الكتاب، وكنت أظن أن حصولى على الدكتوراه هو آخر المطاف في مجال البحث العلمى، ولكننى فوجئت
(1) سأذكر ذلك إن شاء الله في كتابى: أكثر من نصف قرن تحت العمامة وبين أصحابها.