ولم يأت بها أبو نواس حشوا، ولكن شطارة وعبثا بالكلام، وإن شئت قلت:
بيانا وتثقيفا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «وكيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس، قد مرجت [1] عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا؟ وشبك بين أصابع يديه» [2] ، / ولا أحد أفصح من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولا [3] أبعد منه كلاما من الحشو والتكلّف.
وقالوا [4] : مبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت، فهذا باب تتقدم الإشارة فيه الصوت، وقيل: حسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان، جاء بذلك الرمانى نصّا، وقاله الجاحظ من قبل، وأخذ على بعض الشعراء قوله [5] : [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلّم [6]
فأيقنت أنّ الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم [7]
إذ كان هذا كله مما لا تحتمله [8] إشارة خائف مذعور.
ولما أقام [9] معاوية الخطباء لبيعة يزيد / قام رجل من ذى الكلاع، فقال:
هذا أمير المؤمنين، وأشار إلى معاوية، فإن مات فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى السيف، ثم قال:
(1) فى ف: «مزجت» .
(2) الحديث في اللسان فى [مرج] ، وانظره في المجازات النبوية 54و 55والكامل 2/ 13ونثر الدر 1/ 196
(3) فى ف والمطبوعتين: «ولا أبعد كلاما منه» ، وما في ص يوافق المغربيتين.
(4) هذا القول تجده في البيان والتبيين 1/ 79باختلاف يسير جدا، ولم أعثر عليه في النكت في إعجاز القرآن، هذا على الرغم من أن الرمانى قال في باب البيان 60: «والبيان على أربعة أقسام:
كلام، وحال، وإشارة، وعلامة».
(5) القائل هو عمر بن أبى ربيعة، والبيتان في ديوانه 204، وانظر البيان والتبيين 1/ 78و 219، وليس فيه أخذ.
(6) فى الديوان: «خشية أهلها إشارة محزون» .
(7) فى ف والمطبوعتين: «بالحبيب المتيم» ، وما في ص والمغربيتين يوافق البيان والتبيين في الرواية الثانية، وقد كتب في ف في الهامش، «الأصل: المسلم» .
(8) فى ف والمطبوعتين: «تحمله» .
(9) اقرأ هذا الخبر مع البيتين في الأمالى 1/ 160و 161