ومن الشعراء من لا يجيد الابتداء، ولا يتكلّف له، ثم يجيد باقى القصيدة، وأكثرهم فعلا لذلك البحترى، كان يصنع الابتداء سهلا، ويأتى به عفوا، وكلما تمادى قوى كلامه، وله من جيد الابتداءات كثير لكثرة شعره، والغالب عليه ما قدمت، غير أن القاضى الجرجانى فضّله بجودة الاستهلال وهو الابتداء على أبى تمام وأبى الطيب، وفضّلهما عليه بالخروج والخاتمة [1] .
ولست أرى لذلك وجها إلا كثرة شعره، كما قدمت، [2] فإنه لو حاسبهما ابتداء جيدا بابتداء ما لأربى عليهما، وقصّرا [3] عن عدده [2] .
وأما الحاتمى فإنه يغضّ من أبى عبادة غضّا شديدا، ويجوز عليه جورا بيّنا، لا يقبل منه، ولا يسلّم إليه [4] .
وكان أبو تمام فخم الابتداء، له روعة، وعليه أبّهة، كقوله [5] :
[الكامل]
الحقّ أبلج والسّيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار
(1) انظر الوساطة 48
(22) ما بين الرقمين ساقط من ص والمغربيتين، واعتمدت من ف والمطبوعتين ما يوافق الغرض، فبين الجميع اختلاف.
(3) فى ف: «وقطر عن عدده» ، وفى المطبوعتين ومغربية: «وقصرا عن عذره» ، وفى المغربية الأخرى «وقصرا عن عدوه» .
(4) اقرأ رأى الحاتمى هذا في حلية المحاضرة 1/ 227221، وفيه نرى أن الحاتمى اخترع مجلسا عند بعض الرؤساء لم يذكر لنا من هو كما اخترع شيخا من شيوخ البصرة الذين يحبون البحترى ولم يذكر لنا اسمه أيضا وذلك ليستعرض أفانينه في القول والغض من البحترى، ويتضح لنا من عرضه زهوه الشديد وتعاليه بصورة غير مقبولة، وسأنقل جملة من قوله توضح ذلك، يقول:
«ووجدت صاحب المجلس يؤثر سماع كلامنا في هذا المعنى، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحترى إنحاء أسرفت فيه، واقتدحت زناد الشيخ به، فتكلم، وتكلمت، وخضنا في أفانين من التفضيل والمماثلة، فعلوته في جميعها علوا شهده من حضر المجلس، وكانوا جلة الوقت، وأعيان أهل الأدب بالبصرة» !! أليس كل ذلك من اختراعه؟! ثم إننا لو سلمنا له بما قال لوجب على الشعراء جميعا أن يصمتوا لأن المعانى كلها تحدث عنها السابقون، فكأنه باختراعه يوجه كلامه إلى كل من يفضل البحترى، ولذلك حق لابن رشيق أن يقول إنه «لا يقبل منه ولا يسلم إليه» .
(5) ديوان أبى تمام 2/ 198