وشمالا، فقلت: لقد بلغ منك [1] الحرّ مبلغا شديدا، قال: لا، ولكن غيره، فمكث [2] كذلك ساعة، ثم قام كأنما أطلق من عقال، وقال [3] : الآن [4] ، الآن، ثم استمدّ، وكتب شيئا لا أعرفه، ثم قال: أتدرى ما كنت فيه [5] ، قلت:
كلا، قال: قول أبى نواس [6] : [الكامل]
كالدّهر فيه شراسة وليان
أردت معناه، فشمس علىّ حتى أمكن الله منه، فصنعت: [البسيط]
شرست بل لنت بل قانيت ذاك بذا ... فأنت لا شكّ فيك السّهل والجبل؟ [7]
ولعمرى لو سكت هذا الحاكى لنمّ هذا البيت بما كان داخل البيت [8] لأن الكلفة فيه ظاهرة، والتّعمل بيّن [9] .
على أن مثل حكاية أبى تمام، وأشدّ منها، قد وقعت لمن لا يتهم، وهو جرير، صنع الفرزدق شعرا يقول فيه [10] : [الطويل]
فإنّى أنا الموت الّذى هو ذاهب ... بنفسك فانظر كيف أنت محاوله؟ [11]
وحلف بالطلاق أن جريرا لا يغلبه فيه، فكان جرير يتمرّغ في الرمضاء، ويقول: أنا أبو حزرة، حتى قال في أبيات له مشهورة [12] :
(1) فى ف والمطبوعتين فقط: «بلغ بك» .
(2) فى ف والمطبوعتين: «ومكث» .
(3) فى ف والمطبوعتين: «فقال» .
(4) فى ف: «الآن الآن أردت» وفى خ: «الآن أردت» ، وفى م: «الآن وردت» ، وما في ص يوافق المغربيتين.
(5) فى ف والمطبوعتين والمغربيتين: «أتدرى ما كنت فيه مذ الآن» .
(6) ديوان أبى نواس 406، والمذكور عجز بيت صدره: «حذر امرىء قصرت يداه على العدا» .
(7) ديوان أبى تمام 3/ 11
الشراسة: ضد اللين. وقانيت: خلطت.
(8) كلمة البيت الأولى يقصد بها بيت الشعر، وكلمة البيت الأخرى يقصد بها المنزل.
(9) انظر ما قيل عن البيتين في العقد الفريد 5/ 393
(10) ديوان الفرزدق 2/ 738، وانظر الحكاية في زهر الآداب 2/ 856، والأغانى 21/ 355
(11) فى ص وف: «فقلت أنا الموت» .
(12) قوله: «فى أبيات له مشهورة» ساقط من المطبوعتين فقط، وفى ف: «من أبيات» .