من النوم لكون النفس مجتمعة، لم يتفرق حسّها في أسباب اللهو أو المعيشة، أو غير ذلك مما يعييها [1] ، وإذا [2] هى مستريحة جديدة، كأنما أنشئت نشأة أخرى، ولأن السّحر ألطف هواء، وأرقّ نسيما، وأعدل ميزانا بين الليل والنهار.
وإنما لم يكن العشىّ كالسّحر وهو عديله في التوسط بين طرفى الليل والنهار لدخول الظلمة فيه على الضياء بضد دخول الضياء في السّحر على الظلمة، ولأن النفس فيه كالّة [3] من تعب النهار وتصرفها فيه، ومحتاجة إلى قوّتها من النوم، ومتشوفة [4] نحوه، فالسّحر أحسن لمن أراد أن يصنع، فأما [5]
لمن أراد الحفظ والدراسة، وما أشبه ذلك فالليل، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين {إِنَّ نََاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [سورة المزمل: 6] ، وهذا الكلام الذى لا مطعن فيه، ولا اعتراض عليه، وعلى قراءة من قرأ (وطاء) يكون معناه أثقل على فاعله، فإذا [6] كان كذلك كان أكثر أجرا، فهذا يشدّ [7] قولنا: إن العمل أول الليل يصعب لأن النوم يغلب / والجسم يكلّ.
وكان أبو تمام يكره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك / في شعره، حكى [8] عنه بعض أصحابه قال: استأذنت عليه، وكان لا يستتر عنّى، فأذن لى، فدخلت فإذا [9] هو في بيت مصهرج [10] قد غسل بالماء، يتقلب يمينا
(1) فى ص وف: «يعينها» ، واعتمدت ما في المطبوعتين ومغربية: ليناسب القول، على أنه يمكن أن تكون كلمة «يعينها» صحيحة، بمعنى أن النفس لم تنشغل بما يعينها في أمور الحياة، وفى المغربية الأخرى: «يعيبها» .
(2) فى م والمغربيتين: «وإذ هى» .
(3) فى ف والمطبوعتين: «كالّة مريضة» ، إلا أن «مريضة» كتبت في م بين معقوفين!! وما في ص يوافق المغربيتين.
(4) فى ف: «ومتشوقة» ، وفى المطبوعتين: «متشوقة» ، وكلاهما يؤدى المعنى نفسه.
(5) فى المطبوعتين والمغربيتين: «وأما» .
(6) فى ف والمطبوعتين: «وإذا» .
(7) فى ف: «فهذا يشبه قولنا» ، وفى المطبوعتين: «فهذا يشهد لنا» ، وما في ص يوافق المغربيتين.
(8) فى ف والمطبوعتين: «حكى ذلك عنه» ، وفى المغربيتين: «حكى بعض» .
(9) فى خ: «فدخلت في بيت» ، وفى م كتب قوله: «فإذا هو» بين معقوفين دون ذكر السبب!!
(10) مصهرج: مطلىّ بالصاروج وهو النورة.