قال بكر بن النطاح الحنفى [1] : الشعر مثل عين الماء، إن تركتها اندفنت، وإن استهتنتها هتنت [2] .
وليس مراد بكر أن تستهتن / بالعمل وحده لأنا نجد الشاعر تكلّ قريحته مع كثرة العمل مرارا، وتنزف مادته، وتنفد معانيه، فإذا أجمّ [3] طبعه أياما وربما كان زمانا طويلا [4] ثم صنع الشعر جاء بكل آبدة [5] ، وانهمر في كل قافية شاردة [6] ، وانفتح له من المعانى والألفاظ ما لو رامه من قبل لاستغلق عليه، وأبهم دونه، لكن بالمذاكرة مرة فإنها تقدح زناد الخاطر، وتفجر عيون المعانى، وتوقظ أبصار الفطنة، وبمطالعة الأشعار كرة فإنها تبعث الجسد [7] ، وتولد الشهوة.
وسئل ذو الرمة: كيف تعمل إذا انقفل دونك الشعر، فقال: كيف ينقفل دونى وعندى مفاتحه؟ قيل له: وعنه سألناك، ما هو؟ قال: الخلوة بذكر الأحباب [8] .
فهذا لأنه عاشق، ولعمرى إنه إذا انفتح للشاعر نسيب القصيدة فقد ولج من الباب، ووضع رجله في الركاب، على أن ذا الرمة لم يكن كثير المدح
(1) هو بكر بن النطاح الحنفى، يكنى أبا وائل، وهو من فرسان بنى حنيفة من أهل اليمامة، وهو شاعر غزل، انتقل إلى بغداد في زمن الرشيد، واتصل بأبى دلف العجلى، فأكرمه، وأجرى له رزقا ثابتا إلى أن مات سنة 192هـ
طبقات ابن المعتز 217، وما فيه من مصادر وتاريخ بغداد 7/ 90، والأغانى 19/ 106، وفوات الوفيات 1/ 219، وسمط اللآلى 1/ 520
(2) هتن: صبّ، والهتنان: المطر الضعيف الدائم، وهتنت السماء: صبت من المطر ما فوق الهطل.
(3) أجمّ: أراح نفسه من العمل بعض الوقت.
(4) فى ف والمطبوعتين ومغربية: «وربما زمانا طويلا» ، والمغربية الأخرى مثل ص.
(5) الآبدة: الأمر العظيم الذى ينفر منه، والآبدة الداهية تبقى على الأبد، والكلمة أو الفعلة الغربية يبقى ذكرها للأبد.
(6) القافية الشاردة: القافية العائرة في سائر البلاد، ويقال لها: قافية شرود.
(7) فى المطبوعتين: «الجد» ، وما في ص وف يوافق المغربيتين.
(8) لم أعثر على هذا في المصادر التى تحت يدى.