وأول [1] ما يحتاج إليه الشاعر بعد الجدّ الذى هو الغاية، وفيه وحده الكفاية حسن التأتّى والسياسة، وعلم مقاصد القول، فإن نسب ذلّ وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أقلّ [2] وأوجع، وإن فخر جبّ [3] ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حنّ ورجّع، ولتكن [4] غايته معرفة أغراض المخاطب كائنا من كان ليدخل إليه من بابه، ويداخله في ثيابه، فذلك هو سرّ صناعة الشعر، ومغزاه الذى به تفاوت الناس، وفيه [5] تفاضلوا، وقد قيل: «لكل مقام مقال» [6] .
شعر [7] الشاعر لنفسه وفى مراده وأمور ذاته من مزح، وغزل، ومكاتبة، ومجون، وخمرية، وما أشبه ذلك غير شعره في قصائد الحفل التى يقوم بها بين السماطين، يقبل منه في تلك الطرائق عفو كلامه، وما لم يتكلف له، ولا ألقى به بالا، ولا يقبل منه في هذه إلا ما كان محكّكا، معاودا فيه النظر جيدا، لاغث فيه، ولا ساقط، ولا قلق، وشعره للأمير والقائد غير شعره للوزير والكاتب، ومخاطبته للقضاة والفقهاء بخلاف ما تقدم من هذه الأنواع، وسيأتى هذا في موضعه من الكتاب [8] / مفصلا إن شاء الله تعالى.
والمتأخر من الشعراء في الزمان لا يضره تأخره إذا أجاد، كما لا ينفع المتقدم تقدّمه إذا قصّر، وإن كان له / فضل السّبق فعليه درك التقصير، كما أن للمتأخر فضل الإجادة، أو الزيادة.
(1) فى المطبوعتين والمغربيتين: «فأول» .
(2) فى المطبوعتين ومغربية: «أخل» ، وفى هامش خ «ن أقل» إشارة إلى أنه في نسخة «أقل» ، وفى هامش م: «فى نسخة «أقل» ، ولعلها أحسن!!.
(3) فى المطبوعتين: «خبّ» ، والصحيح ما في ص وف.
والجبّ: القطع.
(4) فى خ: «ولكن» ، وفى هامش م كتب المحقق: «فى المطبوعات «ولكن» .
(5) فى المطبوعتين: «وبه تفاضلوا» .
(6) انظر هذا القول في الفاخر 314، وفى خ: «لكل مقام مثال» ، وفى هامش م كتب المحقق تعليقا على «لكل مقام مقال» : «كذا في التونسية، وهو المعروف، وفى المصريتين «لكل مقام مثال» .
(7) فى ف والمطبوعتين: «وشعر» ، وما في ص يوافق المغربيتين.
(8) فى المطبوعتين والمغربيتين: «من هذا الكتاب» .