بفضل من الله انتشلت نفسى من كل الآلام النفسية التى أعقبت الجراحة، وبدأت أعود إلى أوراقى، وفى كل مرة أعود فيها إلى العمدة كنت أحس بحالة عاشق كان قد افتقد محبوبته، ثم فجأة يراها في الطريق فيذكر كل شىء، ويعود إليه حماسه، وتتحرك فيه دماء العشق، وتدفعه دفعا إلى احتضان المحبوبة، لكننى لم أنس طريقتى التى سبق أن تحدثت عنها، وهى أننى لا أستطيع أن أجلس للعمل في كتاب واحد، فقد
كنت في أثناء بحثى في الرياض عن نسخ من العمدة عثرت على نسخة خطية نادرة من كتاب سر الفصاحة، فكنت أعمل فيها بجوار عملى في العمدة حتى لا أملّ.
ولكن أخى الأستاذ محمد الخانجى لم يصبر حتى أنتهى من عملى في مقابلة النسخة التى دلنى عليها الدكتور محمود الطناحى، فقد بدأ في جمع العمدة في النصف الثانى من عام 1996، ويبدو أنه كان يدفعنى للانتهاء منه دفعا، كما كان يخاف من جملة كنت أقولها دائما وهى: إننى أخاف أن أموت قبل أن ينتهى العمدة بالطريقة التى ارتضيتها، فقد كنت أقوم بعمل مزدوج يتمثل في تصحيح التجارب مع مقابلة النسخة التى دلنى عليها الدكتور الطناحى، وكان في هذا العمل مخالفة تامة لكل أوامر الأطباء الذين نصحونى بعدم الإجهاد، وبخاصة لأن عينىّ أصبحتا في حالة لا تسمح بأن أقرأ أكثر من ساعتين طوال اليوم.
إن تصحيح التجارب في هذه الأيام بالنسبة لى على الأقل قسوة ما بعدها قسوة، وبخاصة لأنك تصحح الجزء الذى يأتيك فيعود إليك بأخطاء لم تكن موجودة، ولذلك فإننى أزعم أننى صححت تجارب هذا الكتاب أكثر من سبع مرات، وفى كل مرة أقرأ الكتاب كله!! وفى كل مرة أجد شيئا جديدا من الخطأ لم يكن موجودا، ومن هنا فإننى من الآن أطلب المعذرة من القارىء الفاضل عما يمكن أن يكون قد بقى من أخطاء يدركها الأديب اللبيب.
فوجئت في شهر سبتمبر 1997باتصال هاتفى من أخى العالم المحقق الأستاذ الدكتور أحمد عبد المجيد هريدى، والمفاجأة ليست في الاتصال، فنحن على اتصال دائم ومستمر إن شاء الله، ولكن كانت المفاجأة في الغرض من الاتصال، فقد أخبرنى أنه وجد نسختين مغربيتين من كتاب العمدة في معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، وأعطانى رقميهما، وقد أخبرته أننى كنت قد ذهبت إلى المعهد في أول رحلتى مع الكتاب لأبحث عن أية مخطوطة، فأخبرنى المسئولون وقتها بعدم وجود مخطوطة للكتاب عندهم، وقد علمت من أخى أن هاتين المخطوطتين مع غيرهما لم يكن قد تم إدراجهما في قائمة المخطوطات، وبخاصة في فترة توقف المعهد أو كمونه في أيام المقاطعة العربية لمصر، فقلت له: إن هذا الأمر صحيح لأننى عند ما ذهبت إلى المعهد للحصول على نسخة من كتاب كفاية الطالب عرفت أنه ضمن الكتب التى لم تدرج في القائمة، وقد ذكرت ذلك في تحقيقى للكتاب.
أخبرت أخى الأستاذ محمد الخانجى بهذا الخبر الطيب، ورجوته أن يعمل على إحضارهما لأن ظروفى الصحية والنفسية لا تسمح لى بالتحرك كثيرا، فتفضل
مشكورا بإحضارهما، النسخة الأولى تحمل رقم 2024أدب والثانية تحمل رقم 2025أدب.