وقيل: أفضل البديهة بديهة أمن وردت في موضع خوف، فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة.
وكان أبو نواس قوىّ البديهة والارتجال، لا يكاد ينقطع، ولا يروّى إلا فلته، وروى [1] أن الخصيب [2] قال له مرة يمازحه، وهما بالمسجد الجامع:
أنت غير مدافع في الشعر، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره يقول مرتجلا [3] :
[الطويل]
منحتكم يا أهل مصر نصيحتى ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحيّة ... أكول لحيّات البلاد شروب
فإن يك باقى سحر فرعون فيكم ... فإنّ عصا موسى بكفّ خصيب [4]
ثم التفت إليه وقال: والله لا يأتى بمثلها خطيب مصقع، فكيف رأيت؟
فاعتذر إليه، وحلف إن كنت إلا مازحا.
وسمعت جماعة من العلماء يقولون: كان مسلم بن الوليد نظير أبى نواس، وفوقه عند قوم من أهل زمانه في أشياء، إلا أن أبا نواس قهره بالبديهة والارتجال، مع تقبّض كان في مسلم، وإظهار توقّر وتصنّع، وكان صاحب رويّة وفكرة، لا يبتده ولا يرتجل.
(1) فى ف: «ويروى» ، وفى المطبوعتين والمغربيتين: «روى» بحذف الواو.
(2) هو الخصيب بن عبد الحميد العجمى ثمّ المزارى، أمير مصر، وهو دهقان من أهل المزار، شريف الآباء، وليس بابن صاحب نهر الخصيب، وكان رئيسا في أرضه، فانتقل إلى بغداد، وصار كاتب مهرويه الرازى، ثم انتقل إلى الإمارة، وقد وفد أبو نواس على الخصيب في حداثة سنة.
وكان من خبر هذا الشعر أن أهل مصر كانوا قد شنعوا على الخصيب لزيادة في أسعارهم، وكان على شربه، وعنده أبو نواس، فوثب أبو نواس وقال: دعنى أيها الأمير أكلمهم، فقال: ذاك إليك، فخرج حتى وافى المسجد الجامع، وقد تواعد أن يجتمعوا فيه، فأنشد هذه الأبيات، ويقال: إنه ارتجلها على المنبر، فلما سمعها من اجتمع تفرقوا فلم يبق منهم أحد، وعاد إلى مجلس الخصيب، فأمر له بألف دينار، ولما استنشده الرشيد هذه الأبيات قال: ألا قلت: فباقى عصا موسى بكف خصيب؟ فقال له: وهذا يا أمير المؤمنين أحسن، ولكنه لم يقع لى. [هامش البيان والتبيين 3/ 31و 32بتصرف] ، وانظر ديوان أبى نواس 484، والموشح 426، وأخبار أبى نواس ضمن كتاب الأغانى [ط الشعب] 29/ 10012 10014، وبدائع البدائه 333، وما في بدائع البدائه يكاد يكون هو ما في العمدة.
(3) ديوان أبى نواس 484، باختلاف في الترتيب.
(4) فى الديوان: «فإن يك فيكم إفك فرعون باقيا» .