ثم قال بعد عدة أبيات [1] :
أمن ميّة اعتاد الخيال المؤرّق؟ ... نعم إنّها ممّا على النأى تطرق
وكان الفرزدق قليلا ما يصرّع، أو يلقى بالا بالشعر، كقوله [2] :
[الطويل]
ألم تر أنّى يوم جوّ سويقة ... بكيت فنادتنى هنيدة ماليا؟
/ فجاء بمثل هذه القصيدة الجليلة غير مصرعة، وكذلك قوله يرد على جرير [3] : [الطويل]
تكاثر يربوع عليك ومالك ... على آل يربوع فما لك مسرح
وأكثر شعر ذى الرمة غير مصرع الأوائل، وهو مذهب كثير من الفحول، وإن لم يعدّ فيهم [4] لقلة تصرفه، إلا أنهم جعلوا التصريع في مهمات القصائد، ومما [5] يتأهبون له من الشعر، فدل ذلك على فضل التصريع، وقد قال أبو تمام، وهو قدوة [6] : [الطويل]
وتقفو إلى الجدوى بجدوى وإنّما ... يروقك بيت الشعر حين يصرّع
فضرب به المثل كما ترى.
والتصريع يقع فيه من الإقواء، والإكفاء، والإيطاء، والسناد، والتضمين ما يقع في القافية: فمن الإقواء ما أنشده الزجاجى، وهو قول بعضهم [7] :
(1) ديوان ذى الرمة 1/ 466
(2) ديوان الفرزدق 2/ 895ط الصاوى و 2/ 360ط دار صادر.
(3) ديوان الفرزدق 1/ 149ط الصاوى و 1/ 126ط دار صادر.
مالك مسرح: أى أنك ذليل مهان تخاف أن تسرح إبلك فتنهب. [من الديوان]
(4) السبب في أن ذا الرمة لم يعد من الفحول هو اقتصاره على وصف الصحارى وأبعار الإبل، وانظر ذلك بالتفصيل في طبقات ابن سلام 2/ 551و 552، والشعر والشعراء 1/ 524، والموشح 274و 551وما بعدهما، وكنايات الجرجانى 117
(5) فى المطبوعتين فقط: «فيما يتأهبون» .
(6) ديوان أبى تمام 2/ 322وانظر الموازنة 2/ 85
وتقفو إلى الجدوى بجدوى: تسير إلى العطاء بالعطاء، أى تتبع أحدهما صاحبه [من الديوان] .
(7) البيت جاء أول ثمانية أبيات في الأمالى 3/ 12، وتنسب فيه إلى أم عمرو أخت ربيعة بن مكدم ترثى أخاها ربيعة وقد قتلته بنو سليم، وفى الهامش كتب: هكذا في الأصل وفيه الإقواء وهو اختلاف العروض والضرب في حركة الإعراب، وفى الأمالى: «فلا عازب» .