وبعد أن انتهيت من هذه المقابلة وإعادة التعليقات، وكنت قد أفدت إفادة كبيرة من مصادر المكتبة المركزية بجامعة الإمام في الرياض، وبخاصة في جانب الدواوين أقول بعد كل ذلك جاءت عطلة نهاية عام 1994م، وقد شرفنى بالزيارة في بيتى الزملاء الأفاضل الأستاذ الدكتور محمود محمد الطناحى رحمه الله والأستاذ الدكتور محمد الربيع أطال الله عمره الذى يعمل الآن وكيلا لجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية لشئون الدراسات العليا، والأستاذ الدكتور عبد الشافى عبد اللطيف أطال الله عمره أستاذ التاريخ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وجلسنا نتباحث في أشياء كثيرة، ويطوف بنا أخونا الطناحى في كل الاتجاهات بأسلوبه الساحر وفكاهاته الطريفة، فكانت الجلسة تجمع بين الثقافة العلمية الجادة، والطرفة والنكتة التى تخفف عن النفس الكثير من أحمالها، ثم أخذت مفتاح الكلام عن العمدة والمتاعب التى واجهتها في سبيل تحقيقه، فما كان من أخى المرحوم محمود الطناحى إلا أن قال: لقد أنسيت أن أذكر لك أنه وقعت في يدى نسخة محققة، وأن أذكر لك أن هناك نسخة مخطوطة من الجزء الثانى من كتاب العمدة في المكتبة المركزية بجامعة الإمام، ولكنها غير مدرجة في فهارس المكتبة، وقد كتبت عنها، وسأعطيك نسخة من كتيب صنعته عن بعض المخطوطات التى لم تذكر في الفهارس.
عند ما سمعت هذا الكلام مادت الأرض بى، وأسقط في يدى، ومرّ بخاطرى في لحظات شريط ذكرياتى مع متاعب الكتاب، وانعقد لسانى لفترة، وقلت للزملاء الأفاضل: في هذه الحالة يجب أن أتوقف عن مواصلة العمل في الكتاب مادام قد صدر في طبعة محققة، لكن الدكتور الطناحى قال بنبرة جادة وآمرة: لا يجب أن تتسرع في الحكم بالمقاطعة، وإنما يجب أن تقرأ الكتاب المحقق، ثم تنظر في أمر عملك، وتسأل نفسك: هل قام العمل المحقق الذى ظهر بما كنت تريده أو لا؟ فإن وجدت أنه يفى بالغرض فإنه يجب في هذه الحالة أن تتوقف، وإن وجدت غير ذلك فسر في طريقك إلى نهاية عملك وخطتك، وأيد الجميع هذه المقولة، لكننى كنت مترددا في قبولها، وبعد عدة أيام تكلمت هاتفيا مع الدكتور محمود الطناحى أشكو إليه بثى وحزنى على الأيام التى ضاعت هباء في تحقيق العمدة، لكنه رحمه الله سرّى عنى وأزال بعض همى، وقال لى: إنك على بعد أيام من السفر إلى الرياض، وبالقطع ستجد هذا الكتاب هناك، وأؤكد لك أنه لو كان عندى لأعطيتكه.
وسافرت إلى الرياض، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة كنت في مكتبة الرشد، بعد أن أخبرنى أخى الأستاذ الدكتور محمد الصامل وكيل كلية اللغة العربية الآن بالرياض بأن الكتاب فيها، وكنت أذهب إليها كثيرا، واشتريت منها مجموعة من الدواوين والكتب التى لم تكن في مكتبتى الخاصة، ووجدت الكتاب المذكور، وقد كتب على غلافه الخارجى تحقيق الدكتور محمد قرقزان، ومن منشورات دار المعرفة ببيروت، ويشهد الله أننى أخذت الكتاب وجسمى كله يرتعش ارتعاشا شديدا، كأننى أصبت بالحمى، ولم تكن ارتعاشاتى الداخلية بأقل مما يظهر على جسدى.