ولقد أرانى لا أعيا بجواب شاعر، فقالت هذه الأبيات: [الوافر]
إذا هبّت رياح أبى عقيل ... دعونا عند هبّتها الوليدا [1]
/ أغرّ الوجه أبيض عبشميّا ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركبا ... عليها من بنى حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثّريدا
فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنّى بابن أروى أن يعودا [2]
وعرضتها عليه، فقال لها: أجدت، لولا أنك استعدت كراهية في قولها:
«فعد إن الكريم له معاد» ، ويروى: لولا أنك استزدت.
وقالوا [3] : كان الشاعر في أول [4] الأمر أرفع منزلة من الخطيب لحاجتهم إلى الشعر في تخليد المآثر، وشدة العارضة، وحماية العشيرة، وتهيبهم عند شاعر غيرهم من القبائل، فلا يقدم عليهم خوفا من شاعرهم على نفسه وقبيلته، فلما تكسبوا به، وجعلوه طعمة، وتولّوا به الأعراض، وتناولوها، صارت الخطابة فوقه، وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة، وتطعّموا أموال الناس، وجشعوا فخشعوا، واطمأنّت بهم دار الذّلّة، إلا من وقّر نفسه وقارها، وعرف لها مقدارها، حتى قبض نقىّ العرض، مصون الوجه، ما لم يكن به اضطرار يحلّ [5] الميتة، فأما من وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر.
وقد حكى عن ابن ميّادة [6] أنه مدح أبا جعفر المنصور
(1) الأبيات في الشعر والشعراء 1/ 276، والأغانى 15/ 371، وخزانة الأدب 2/ 249، والاستيعاب 3/ 1336باختلاف يسير فيها، وجاء البيت الأول في الكامل 3/ 63ثمّ ذكرت الأربعة الباقية في الهامش على أنها من بعض الروايات، ومعها تعليق لبيد.
(2) فى بعض المصادر السابقة: «وظنى يا ابن أروى أن تعودا» .
(3) انظر هذا القول في البيان والتبيين 1/ 241و 4/ 83مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(4) فى ف: «مبتدئ» وفى المطبوعتين: «مبتدأ» .
(5) فى المطبوعتين فقط: «تحل به» .
(6) هو الرماح بن أبرد أو الرماح بن يزيد وهو من بنى مرة بن عوف، وميادة أمه، وكانت أم ولد، ويكنى أبا شراحيل، أو أبا شرحبيل، مدح الوليد بن يزيد وكان وفيا له حتى قيام الدولة العباسية.
الشعر والشعراء 2/ 771، والأغانى 2/ 261، وطبقات ابن المعتز 105، والاشتقاق 287،