حين بدأت أقابل مخطوطة الأزهر [ف] على المطبوعة التى تحت يدى حاولت كثيرا أن أصل إلى النسخة التى طبعها الأستاذ محمد أمين الخانجى رحمه الله وأشرف على تصحيحها محمد بدر الدين النعسانى، والتى صدرت سنة 1325هـ 1907م، ولكن جهودى باءت بالفشل، وبخاصة لأن الأستاذ محمد الخانجى أخبرنى أنه ليس عنده نسخة منها، فيئست من ذلك، وركزت جهدى على النسخة التى كتب عليها: حققه وفصله وعلق حواشيه محمد محيى الدين عبد الحميد، وكنت قبل سفرى إلى الرياض قد انتهيت من مقابلة المخطوطة [ف] مع المطبوعة التى رمزت إليها بالرمز [م] ، وركزت جهودى قبل حصولى على النسخة [ص] أن أرجع إلى الدواوين التى ليست عندى، ولكن عند ما يأتى الخير فإنه يأتى دفعة واحدة، فعندما عدنا من الرياض بعد نشوب حرب تحرير الكويت أخبرنى الأستاذ محمد الخانجى أنه وجد لى النسخة التى أصدرها جده رحمه الله، فكانت سعادتى كبيرة بهذه النسخة، ولكنها غيّرت
عندى مفاهيم علمية كثيرة، ثم أخبرنى أخى الأستاذ الدكتور عبد الفتاح لاشين أن عنده نسخة أمين هندية التى صدرت سنة 1344هـ 1925م، فاستعرتها منه لمدة يومين وتأكدت أنها نسخة مكررة من نسخة الخانجى، فأهملتها، وكل ما سأقوله عن النسخة [م] ينطبق على نسخة الخانجى ونسخة أمين هندية وقد رمزت لنسخة الخانجى بالرمز [خ] .
قلت منذ عدة أسطر: إن وجود نسخة الخانجى غيّرت عندى مفاهيم علمية كثيرة، وأحب أن أوضح هذه المقولة توضيحا لا يشوبه غموض، وسوف يغير هذا التوضيح مفاهيم كثيرة عند كثير من القراء الأفاضل، وليس غرضى من التوضيح يشهد الله إلا أن أذكر الحقيقة العلمية مجردة دون أى اعتبار آخر، وقد تعلمنا في مادة مصطلح الحديث أن العلماء قاموا بغربلة الرواة كى يصلوا إلى الأحاديث الصحيحة، وقد أدى هذا النظام العلمى الدقيق إلى ما يسمى بقضية الجرح والتعديل، وقد علمنا وتعلمنا أن العلماء كانوا يتركون الحديث إذا وجدوا أحد الرواة يتصف بصفة ما لا تنسجم مع أمانة العلم والرواية.
ويشهد الله أننى عند ما قمت بمقابلة المخطوطة [ف] مع المطبوعة [م] كنت أصحح ما في المطبوعة على أنه خطأ مطبعى، وكنت في نسخة تعليقاتى الأولى أذكر أن هنا خطأ مطبعيا وتصحيحه يتأتى من النسخة [ف] ، ثم مضيت في عملى على هذه الطريقة حتى النهاية، ولكن نسخة الخانجى غيّرت كل خطتى، وجعلتنى أغير كل تعليقاتى من أول الكتاب حتى آخره، والسر في ذلك أن المسألة لم تكن أخطاء مطبعية في النسخة [م] بقدر ما كانت نقلا كاملا لنسخة الخانجى بكل ما فيها، وإذا صح أن نقول إن هناك خطأ مطبعيا فإنه يكون في نسخة الخانجى لأنها النسخة الأولى والرائدة، فلا عيب أن يكون فيها خطأ، ثم نقل إلى نسخة أمين هندية، ثم نقل إلى النسخة [م] .
وسأورد للقارىء مجموعة من الأدلة الدامغة التى تؤكد نظريتى في الجرح والتعديل، وقبل أن أسرد الأدلة أحب أن أذكر نقطة مهمة جدا، ويجب أن يضع القارىء تحت هذه النقطة ألف خط، هذه النقطة هى: إننى لا أشك لحظة واحدة في علم الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد، بل إننى أقول: إنه أحد العلماء الأفاضل في علوم النحو والصرف، يشهد بذلك القاصى والدانى، ولكن الشيخ عند ما أراد أن يطبع كتاب العمدة أخذ نسخة الخانجى، ونظر فيها بطريقة مدرسى
اللغة العربية عند ما يصححون كراسات مادة الإنشاء أو التعبير، فإن هؤلاء المدرسين ينظرون في السطر الأول من الصفحة والسطر الأوسط والسطر الأخير، ولن يعدموا خطأ هنا أو هناك، وبالتأكيد تكون هناك أخطاء في السطور الأخرى التى لم ينظر فيها المدرس، وكنت أعتقد اعتقادا جازما أن الشيخ فعل مثل ذلك، ولما جاء هذا الخاطر في ذهنى عرضته على أحد أعلام الأدب في عصرنا الحالى، وكان تلميذا للشيخ في يوم من الأيام، وهو الدكتور [م. ر. ا] فقال لى: إن الشيخ كان يعطى طلاب الدراسات العليا بعض الكتب ذات الورق الأصفر ليعلقوا عليها، ثم يأخذها بتعليقات الطلاب ليدفعها إلى المطبعة فتتحول من كتب في ورق أصفر إلى كتب في ورق أبيض، وهذا سر الكثرة الكاثرة من الكتب التى صدرت باسمه وتحقيقه، فمن كتب في النحو إلى كتب في الأدب إلى أخرى في التاريخ وغير ذلك، ولو وزّعنا الكتب التى أخرجها على سنوات عمره لكانت أكثر من عمره فقلت له: إننى كنت أسمع من الطلاب المخضرمين في كلية اللغة العربية مقولة: