وفى أول العام التالى انتقلت كليات الجامعة من أماكنها المتفرقة في الرياض إلى مكانها الحالى، الذى يعتبر صرحا علميا وهندسيا من الطراز الأول، وأصبحت المكتبة المركزية على بعد خطوات من كلية اللغة العربية، فذهبت وتحدثت مع عميد شئون المكتبات في ذلك الوقت صاحب السعادة الأخ الأستاذ الدكتور محمد بن حسن الزير، الذى يشغل الآن منصب المستشار الثقافى السعودى في مصر، وعن طريقه عرفت مجموعة من أفاضل أمناء المكتبة، ولما ذكرت لأحدهم وهو الأستاذ وجدى سليمان أننى أقوم بتحقيق العمدة وأننى أبحث عن نسخة تكون مكتوبة بالخط المغربى أخبرنى بارك الله فيه أن عندهم هذه النسخة، فطلبت منهم مصورة لها (ميكرو فيلم) ، ولكنهم قالوا نصورها لك على ورق فاستحييت لأن الدكتور محمد الزير صمم على إهدائها لى، ولما أخذت المصورة وجلست لأقرأها على جهاز القراءة وجدت أن عينى تتألمان من الضوء والتركيز، وبخاصة لأن هذه كانت أول مرة أقرأ فيها الخط المغربى، فلما شكوت أمرى إلى بعض الأحباب أشار علىّ بأن أذهب إلى مكتبة الملك فيصل رحمه الله لأصورها على ورق، فذهبت إلى هذا الصرح العلمى الكبير وأخبرت الأحباب هناك عما أريد فقالوا: على الرحب والسعة، لكننا سنأخذ نسخة من المصورة (الميكرو فيلم) لنحتفظ بها، فتشكرتهم على حسن صنيعهم، وهذه النسخة هى
التى اعتبرتها أصلا، ورمزت لها بالرمز [ص] على الرغم من أن بها سقطا في أماكن متفرقة يصل إلى ما يقرب من ثلاثين صفحة، وقد ذكرت ذلك في الهوامش.
ومن مميزات هذه النسخة أنها أصلحت لى كل الأخطاء التى لم تقم بها نسخة الأزهر، كما أن من مميزاتها وهو الأهم أنها تتفق في النقول من الكتب مع هذه الكتب التى نقلت منها، وسيرى القارىء الفاضل ذلك من تعليقاتى في الهوامش، وسأذكر مثالين من ذلك ليتأكد القارىء الأديب من قولى، ولن أستطيع أن أذكر كل شىء هنا، حتى لا أحرم القارىء من متابعة ما ذكرته في الهوامش، ولكن ينبغى أن نكتفى بالإشارة واللمحة.
المثال الأول: هو ما سبق أن ذكرته من أن المطبوعة ذكرت في 1/ 181أن القطع يدخل الوافر، وذكرت أن ذلك خطأ، وإنما القطف هو الذى يدخل الوافر، ورأيت أن نسخة الأزهر توافق المطبوعة في هذا الخطأ، وكنت وقتها ذكرت في الهامش أن القطع لا يدخل الوافر، وأنه لابد أن يكون هناك خطأ في المطبوعة والمخطوطة، فلما رأيت الصواب في هذه النسخة غيّرت المتن وغيرت التعليق في الهامش.
المثال الثانى: جاء في المطبوعة في 1/ 249قال الجاحظ: العربى يعاف البذاء ويهجو به غيره وجاء هذا القول في النسخة ص: العربى يعاف الشىء، ويهجو به غيره، وهو يوافق ما جاء في الحيوان 5/ 174ويوافق نسخة الأزهر [ف] .
وأكتفى بذلك لأننى سأذكر الكثير عند ما أعرض للنسخ الأخرى.
حين بدأت أقابل مخطوطة الأزهر [ف] على المطبوعة التى تحت يدى حاولت كثيرا أن أصل إلى النسخة التى طبعها الأستاذ محمد أمين الخانجى رحمه الله وأشرف على تصحيحها محمد بدر الدين النعسانى، والتى صدرت سنة 1325هـ 1907م، ولكن جهودى باءت بالفشل، وبخاصة لأن الأستاذ محمد الخانجى أخبرنى أنه ليس عنده نسخة منها، فيئست من ذلك، وركزت جهدى على النسخة التى كتب عليها: حققه وفصله وعلق حواشيه محمد محيى الدين عبد الحميد، وكنت قبل سفرى إلى الرياض قد انتهيت من مقابلة المخطوطة [ف] مع المطبوعة التى رمزت إليها بالرمز [م] ، وركزت جهودى قبل حصولى على النسخة [ص] أن أرجع إلى الدواوين التى ليست عندى، ولكن عند ما يأتى الخير فإنه يأتى دفعة واحدة، فعندما عدنا من الرياض بعد نشوب حرب تحرير الكويت أخبرنى الأستاذ محمد الخانجى أنه وجد لى النسخة التى أصدرها جده رحمه الله، فكانت سعادتى كبيرة بهذه النسخة، ولكنها غيّرت
عندى مفاهيم علمية كثيرة، ثم أخبرنى أخى الأستاذ الدكتور عبد الفتاح لاشين أن عنده نسخة أمين هندية التى صدرت سنة 1344هـ 1925م، فاستعرتها منه لمدة يومين وتأكدت أنها نسخة مكررة من نسخة الخانجى، فأهملتها، وكل ما سأقوله عن النسخة [م] ينطبق على نسخة الخانجى ونسخة أمين هندية وقد رمزت لنسخة الخانجى بالرمز [خ] .