وعيب بفضيلته بنو نمير، كانوا [1] جمرة من جمرات العرب [2] ، إذا سئل أحدهم / ممّن الرجل؟ فخّم لفظه، ومدّ صوته وقال: من بنى نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته [3] التى هجا بها عبيد بن حصين الراعى، فسهر لها، وطالت ليلته إلى أن قال [4] : [الوافر]
فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأطفأ سراجه ونام، وقال: قد والله أخزيتهم آخر الدّهر، فلم يرفعوا رأسا بعدها إلا نكّس بهذا البيت، حتى إن مولى لباهلة كان يرد سوق البصرة ممتارا فيصيح به بنو نمير: يا جوذاب [5] باهلة، فقصّ الخبر على مواليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك [6] فقل لهم:
فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ومرّ بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غمّض وإلا جاءك ما تكره، فكفّوا عنه، ولم يعرضوا له بعدها.
ومرت امرأة ببعض مجالس بنى نمير، فأداموا النظر إليها، فقالت:
قبّحكم الله يا بنى نمير! ما قبلتم قول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصََارِهِمْ} [سورة النور: 30] ، ولا قول الشاعر:
(1) فى المطبوعتين: «وكانوا» .
(2) ذكر المؤلف معنى جمرات العرب في آخر باب ما يتعلق بالأنساب، وانظره في كتاب الديباج 77والمحبر 234والكامل 2/ 233وزهر الآداب 1/ 20وجمهره أنساب العرب 486وخزانة الأدب 1/ 74وانظر ص 912
(3) انظر ما قيل عن هذا الشأن في البيان والتبيين 4/ 35، وزهر الآداب 1/ 20
(4) ديوان جرير 2/ 821وانظر ما قيل عن ذلك في البيان والتبيين 4/ 35، 2/ 821وسيأتى البيت في ص 867
(5) الجوذاب: طعام يصنع بسكر وأرز ولحم، وقال أبو عمرو: يقال ما أغنى عنى جذبّانا، وهو زمام النعل، ولا ضمنا وهو الشسع. [انظر اللسان في جذب] .
وفى م: «يا جوذب» وكتب المحقق في الهامش: الجوذاب: شسع النعل.
(6) نبزوك: من نبزه ينبزه نبزا، أى لقّبه، والتنابز: التداعى بالألقاب، وهو يكثر فيما كان ذما.
[انظر: اللسان في نبز] .