ومن هاهنا عظم الشعر، وتهيّب أهله خوفا من بيت سائر تحدى به الإبل، أو لفظة شاردة يضرب بها المثل، ورجاء في مثل ذلك، فقد رفع كثيرا من الناس ما قيل فيهم من الشعر بعد الخمول والاطراح / حتى افتخروا بما كانوا يعيّرون به، ووضع جماعة من أهل السّوابق والأقدار الشريفة، حتى عيّروا بما كانوا يفتخرون به.
فممّن رفعه ما قيل فيه من الشعر بعد الخمول: المحلّق [1] وذلك أن الأعشى قدم مكة، وتسامع الناس به، وكانت للمحلّق امرأة عاقلة وقيل: بل أمّ فقالت له: إن الأعشى قد [2] قدم، وهو رجل مفوّه مجدود [3] الشعر، ما مدح أحدا إلا رفعه، ولا هجا أحدا إلا وضعه، وأنت رجل كما علمت فقير، خامل الذّكر ذو بنات، وعندنا لقحة [4] نعيش بها، فلو سبقت الناس إليه، ودعوته إلى الضيافة، ونحرت له، واحتلت لك فيما تشترى به شرابا يتعاطاه لرجوت لك حسن العائدة [5] ، فسبق إليه المحلّق، وأنزله [6] ، ونحر له، ووجد المرأة قد خبزت خبزا، وأخرجت نحيا [7] فيه سمن، وجاءت بوطب [8] لبن، فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسيّة، قدّم إليه الشراب، واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب، وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعياله، فعرف البؤس في كلامه، وذكر البنات، فقال الأعشى: كفيت أمرهنّ، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته [10] :
(1) هو عبد العزى بن حنتم بن شداد، من بنى عامر بن صعصعة، وإنما سمى محلّقا لأن حصانا له عضّه في وجنته، فحلق فيه حلقة. وانظر خبر اتصال المحلق بالأعشى في الأغانى.
المعارف 89والأغانى 9/ 115
(2) سقطت «قد» من ف والمطبوعتين.
(3) فى المطبوعتين: «مجدود في الشعر» .
(4) اللقحة: الناقة ذات اللبن. انظر اللسان في لقح [لقح] .
(5) فى ف: «لرجوت حسن» ، وفى المطبوعتين: «حسن العاقبة» .
(6) فى ف والمطبوعتين: «فأنزله» .
(7) النحى: إناء للسّمن خاصة. انظر اللسان فى [نحا] .
(8) الوطب: سقاء اللبن. انظر اللسان فى [وطب] .
(10) ديوان الأعشى 261253، مع اختلاف في بعض الألفاظ والترتيب.