-أنا لم أنسَك يومًا يا أبي... سامحني... سامحني... وانكبَّ ربيع على يدي والده يقبِّلهما ويطلب منه السماح...
-انهض يا بُني... انهض... فأنا لا أعرف إلا التسامح والمحبة... انهض وساعدني كي أنزل عن السرير.
-الآن تريد أن تخرج؟... قالت أم أحمد وصوتها يختنق داخل حنجُرَتِها...
-إيه يا أبي، لا زلتَ تجلس على الكنبة نفسها.
-طبعًا يا بني... أنت تعلم أنني لا أغيِّر قناعاتي... وما دمتُ مرتاحًا فيما أفعل فلن أبدِّلها ولن أسمح لأحد أن يبدِّلها لي...
-أبي لا تنظر إليّ هذه النظرة... يكفيني ما أنا فيه.
-ما أنت فيه... أنت السبب في إيجاده... ولكن دعني أرى... مَن ينظر إليك يشكّ في أنك ربيع نفسه الذي سافر ولم يعد...
-معك حق في كل ما تقوله... وأنا كنت أنتظر أن يكون لقاءنا أقسى من ذلك... ولكن يقيني أنك تحبني كما تحب سائر أبنائك... هو الذي شجعني على المغامرة والمجيء إليك.
-هات أخبرني.. كيف تمَّ هذا التحوُّل؟
-عندما هاجرت من هنا... كنتَ تعلم كيف كان تفكيري... كان كل همّي الهرب... كنت أريد أن أطوي صفحة اعتقدتها خطأ صفحة ذلّ ومهانة... أنت تعلم كيف كنت ضد الطريق الذي سلكه أخي أحمد... وكنت دومًا أحذِّره من عواقب السير في هذا الطريق الشائك... واعتقدت كما يعتقد الكثيرون أنه بسبب انضمامه للمقاومة جلب لنا العار والذل، بل ولطّخ سمعة المسلمين كلّهم... لذلك قمت منذ وصولي إلى تلك البلاد بتبديل اسمي واخترت اسمًا أجنبيًا...
عشتُ في الفترة الأولى منبهرًا بتلك الحضارة الغربية التي تحترم الإنسان وتؤمِّن له كل سبُل الراحة والاطمئنان... كنتُ أعمل ليل نهار من أجل أن أُثبت لك أنني أفضل من غيري... أفضل من أخي أحمد...