-إن جزءًا مما قلتِه صحيح، فأحمد الذي غيَّبته سجون الاحتلال، لا يمكن أن ينساني، وسيبقى يتذكرني مهما بلغت قسوة التعذيب التي يعاني منها هناك... أعرف هذا، فهو لم يُسجن إلا بسبب إيمانه... لذلك لا أخاف عليه... وهو، إن شاء الله - تعالى -، عائدٌ إليّ مهما طال الزمن... وسأنتظره، أما ربيع الذي هاجر إلى بلاد الغرب، فهذا هو الطفل المدلَّل الذي أخشى عليه من الفتنة... وهو الذي أدعو الله - عز وجل - أن يحميه ويهديه إلى الحق والصواب... فلقد أخبرني أحد الثقاة الذي التقى به في بلاد المهجر أنني إذا رأيته فلن أعرفه...
-لماذا لم تخبرني بذلك؟ أنت تعرف هذا الأمر عن ربيع ولم تخبرني؟ لماذا يا حاجّ؟ لماذا؟
-لماذا؟ لأنني لا أريد أن أبدّل الصورة التي رسمتها لابنك، فكيف أخبرك أنه يعيش هناك عيشة الغربيين المادية، وهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكّي ولا يهتم لأمر أحد؟... لقد تبدّلت مبادؤه وأهدافه...
لا عليكَ يا حاجّ... لا عليك... أنا لستُ قلقة عليه... هيّا قُم من السرير... ستأتي البنات مع أزواجهن وأبنائهن بعد قليل...
بناتي؟ هنَّ أيضًا أصبحوا غرباء عني... أرأيت كيف أصبحوا يفكرون ويتصرفون؟ لقد باتت المادة هي هدفهنّ الأول والأخير... نسَوا كل معاني التضحية والحب والعطاء والإحساس بآلام الآخرين التي ربيتُهن عليها... نسَوْها كلّها وربَوا أبناءهن تربية متناقضة تمامًا... زرعوا في نفوسهم الأنانية وحبَّ الذات والانجراف وراء الشهوات... لذا فإنهم نادرًاَ ما يأتون لزيارتنا... سترَيْن حتى ولو أتَوْا اليوم، فإنهم لم يأتوا بملء إرادتهم... بل جاءوا مكرَهين... راقبيهم عندما يأتون كيف ينظرون إلى الساعة بشكل متواصل، ينتظرون وقت الرحيل بفارغ الصبر،... حتى يذهبوا إلى المطعم الذي يتواعدون فيه مع أصحابهم، أو تجدينهم ما أن يجلسوا حتى يديروا مِفتاح التلفاز ليتابعوا ذلك المسلسل التلفزيوني الذي فاتهم بالأمس...