فهنيئًا لي ولكم ولأمة الإسلام هذا الموسم العظيم والشهر الكريم، وحيهلا بأيّامه المباركات وساعاته الطيبات.
أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولًا وفعلًا ... وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوّه نادمًا يوم الْحصاد
وأريدك ـ أيها الأخ الحبيب ـ أن تقف مع نفسك قليلًا، ذلك أن الناس في استقبال هذا الشهر العظيم على ثلاثة أصناف:
فمنهم من هو إليه بالأشواق، يعدّ الأيام والساعات شوقًا ورغبة إلى لقاء رمضان، الشهر الذي أحبه وأنس به، ولسان حاله يقول:
مرحبا أهلًا وسهلًا بالصيام ... يا حبيبا زارنا في كل عام
قد لقيناك بِحبّ مفعم ... كل حب في سوى المولى حرام
إن بالقلب اشتياقًا كاللظى ... وبعيني أدمع الحب سجام
وهذا رسول الله كان إذا دخل رجب يقول: (( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان ) )، وقال المعلى بن الفضل: كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلًا.
ومن الناس ناس لا فرق عندهم بين رمضان وغيره، فهم يستقبلونه بقلب بارد ونفس فاترة، لا ترى لهذا الشهر ميزة على غيره إلا أنها تمتنع فيه عن الطعام والشراب، فهم يصبحون فيه ويمسون كما يصبحون ويمسون في غيره، لا تتحرك قلوبهم شوقًا ولا تخفق حبًا، ولا يشعرون أن عليهم في هذا الشهر أن يجدّوا أكثر مما سواه.
ومن الناس ناس ضاقت نفوسهم بهذا الشهر الكريم، ورأوا فيه حبسًا عن المتع والشهوات، فتبرموا به وتمنوا أن لم يكن قد حلّ، وقد روت لنا كتب الأدب خبر واحد من هؤلاء أدركه شهر رمضان فضاق به ذرعًا فجعل يقول:
أتانِي شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمتُ شهرًا بعده آخرَ الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة ... على الشهر لاستعديت قومي على الشهر
فابتلاه الله عز وجل بمرض الصرع، فصار يصرع في كل رمضان.