عباد الله، أبعد هذا التخفيف تخفيف؟ أبعد هذه الرحمة رحمة؟ تقوى وأيام معدودات وإفطار للمريض والمسافر، إفطار مع الفدية للذين لا يقدرون على الصيام أبدًا، ورخصة للحامل والمرضع مع قضاء ما أفطرتاه، خمسة أمور تكرم بها الغفور الرحيم على عباده.
فما جزاء من تعمد إفطار يوم من أيام رمضان بلا عذر؟ يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( من أفطر يومًا واحدًا من أيام رمضان بغير عذر ولا رخصة رخصها الله، لا يجزئه صيام الدهر، ولو صامه ) ) (1) [1] .
اسمعوا ـ أيها المؤمنون ـ ماذا يقول الإمام ابن حزم رحمه الله يقول:"ذنبان لم أجد أعظم منهم بعد الشرك بالله: رجل أخر الصلاة حتى خرج وقتها، ورجل أفطر يومًا عامدًا في رمضان".
أيها المسلم، تأسَ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قاموا الليل وصاموا النهار، إنهم يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، رجالٌ المساجد مأواهم، والله جل جلاله معبودهم ومولاهم، تركوا المعاصي خوفًا من الحساب وبادروا إلى الطاعة وحسن الأعمال، ركبوا فلك السلامة، وجروا بريح الاستقامة، فقطعوا بحار العصف والندامة، ونجوا من أهوال يوم القيامة، صحبوا القرآن بحسن العمل، ولم يغتروا بطول الأمل، ونصبوا أمام أعينهم قرب الأجل، فلو رأيتهم لرأيت قومًا يتلون كتاب الله بشفاه ذابلة، ودموع وابلة، وظرفات قاتلة، وأجسام ناحلة، وخواطر في عظمته ـ جل جلاله ـ حائرة.
إنهم رجال إذا نظروا اعتبروا، إذا سكتوا تفكروا، وإذا ابتلوا استرجعوا، وإذا جهل عليهم أحد حلموا، إذا سئلوا بذلوا، قد علموا بالكتاب والسنة، ونطقوا وبالصواب والحكمة، وحاسبوا أنفسهم قبل يوم الحساب، وخافوا من عقوبة رب الأرباب.
فكونوا ـ أيها المسلمون ـ مثلهم، كي تفوزوا بالجنة والنعيم ورؤية المولى تبارك وتعالى.