فهرس الكتاب

الصفحة 734 من 2991

عباد الله، جديرٌ بشهرٍ هذه بعض أسراره، وتلك بعض خصاله أن يفرح به المتعبدون ويتنافس في خيراته المتنافسون. أين هذا من أناس، استقبالهم له تأفف، وقدومه عليهم عبوس، لقد هرم فيه أقوام، فزلت بهم أقدام، اتبعوا أهواءهم فانتهكوا الحرمات، واجترؤوا على المعاصي فباؤوا بالخسار والتبار، من الناس من لا يعرف من رمضان إلا الموائد، وصنوف المطاعم والمشارب يقضي نهاره نائمًا، ويقطع ليله هائمًا، وفيهم من رمضانه بيع وشراء، يشتغل به عن المسابقة إلى الخيرات وشهود الصلوات في الجماعات، فهل ترى أضعف همة وأبخس بضاعة ممن أنعم الله عليه بإدراك شهر المغفرة ثم لا يتعرض فيه للنفحات. فها هو من طالت غيبته قد قرب قدومه، فيا غيوم الغفلة تقشعي، ويا قلوب المشفقين اخشعي، ويا جوارح المتهجدين اسجدي لربك واركعي، وبغير جنان الخلد أيها الهمم العالية لا تقنعي. طوبى لمن أجاب وأصاب، وويل لمن طرد عن الباب.

ها هو الشهر الكريم يحل بالساحات فاستعدوا واجتهدوا، فما أكرمَ الله أمة بمثل ما أكرم به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

في هذا الشهر ذنوب مغفورة، وعيوب مستورة ومضاعفة للأجور، وعتق من النار يجوع الصائم وهو قادر على الطعام، ويعاني من العطش، وهو قادر على الشراب، لا رقيب عليه إلا الله، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجل الله تبارك وتعالى. الألسنة صائمة عن الرفث والجهل والصخب، والآذان معرضة عن السماع المحرّم، والأعين محفوظة عن النظر المحظور، والقلوب كافّة لا تعزم على إثم أو خطيئة، في النهار عمل وإتقان، وفي الليل تهجد وقرآن، صحة للأجساد وتهذيب للنفوس، وضبط للإرادات، وإيقاظ لمشاعر الرحمة، وتدريب على الصبر والرضا، واستسلام لله رب العالمين. فاجتهدوا رحمكم الله واعرفوا لشهركم فضله وأملوا وأبشروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت