إن عبّاد المادة وأرباب الهوى، يعيشون ليوم حاضر، يطلقون لغرائزهم العنان، إذا أحرزوا نصيبًا طلبوا غيره، شهواتُهم مسعورة وأهواؤهم محمومة ونفوسهم ملوثة ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الاْمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3] ، ويجعلون مكاسبهم وقودًا لشهواتهم، وحطبًا لملذاتهم، ويوم القيامة يتجرعون الغصة ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75] ، وما فسدت أنظمة الدنيا إلا حين أعرضت عن توجيهات الدين وتعليمات الملة فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] ، إنها الأنعام السوائب، والضّوال من البهائم تفعل ما تحب وتدع ما يضايقها، لا تنازع عندها بين شهوات وواجبات، وحينما يقود الإنسان رشده، فانه يحكّم رغائبه، وإلا فهو إلى الدواب أقرب، بل إنه منها أضل أَرَءيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الههُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالاْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:43، 44] .
ولعلكم بهذا أيها الإخوة تدركون أسرارًا من التشريع في الصيام، فهو الضبط المحكم للشهوات، والاستعلاء على كثير من الرغبات، إنه زاد الروح، ومتاع القلب، تسمو به همم المؤمنين إلى ساحات المقربين، يرتفع به العبد عن الإخلاد إلى الأرض ليكون أهلًا لجنةٍ عرضها السماوات والأرض.