فما من عبادة شرعها الله لعبادة إلا لحكمة بالغة عَلِمَها من علمها وجَهِلَها من جهلها وليس جهلُنا بحكمة شىء من العبادات دليلًا على أنه لا حكمة لها بل هو دليلٌ على عجزنا نحن إدراك حكمة اله سبحانه
وتعالى القائل: وما أوتيتم من العلم إلا قليل
ومِنْ ثَمَّ فإن من أعظم حكم الصيام أنه سبب للتقوى كما قال سبحانه وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( [4] ) .
والتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين من خلقه.
وهي كما عرفها ابن مسعود:
أن يطاع الله فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى .. ، وأن يشكر فلا يكفر .
وعرفها طلق بن حبيب بقوله:
التقوى هى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ..، ترجو ثواب الله ..، وأن تترك معصية الله.. ،
على نور من الله .. ، تخافُ عقابَ الله.
والصومُ من أعظم العبادات التى تهيئ النفوسَ لتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
لأن الصوم أمرٌ موكولٌ إلى نفس الصائمِ، وضميره، إذ لا رقيب عليه إلا الله.
ومن هنا قال الله تعالى في الحديث القدسي: « كلُ عمل ابنِ أدمَ له، إلا الصومِ فإنه لي وأنا أجزى به، والصيام جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يُرْفُثْ، ولا يَصْخَب، فإن شاتمه أَحَدٌ أو قالتهل، فليقل: إنى صائم ، إنى صائم، والذى نفس محمدٍ بيده، لخَلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فَرِحّ بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه » ( [5] ) .
ومن حكمة العظيمة تربيةُ النفس بكفها عن شهواتها والحدَّ من كبريائها حتى تخضع للحقِ وتلين للخلق.