يا عبد الله ،يا من أيام عمره في حياته معدودة ،يا من عمره يُقضى بالساعة والساعة فيما لا فائدة منه ،يا كثير التفريط في قليل البضاعة ،يا شديد الإسراف، يا قوي الإضاعة ،كأني بك عن قليل تُرمى في جوف قاعة ،مسلوبًا لباس القدرة ،وبأس الاستطاعة وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة ،كأنهما أخوان من الفظاظة من لبان الرضاعة ،وأمسيت تجني ثمار هذه الزراعة ،وتمنيت لو قدرت على لحظةٍ لطاعة ،وقلت: رب ارجعون ،ومالك كلمة مطاعة ،يا متخلفًا عن أقرانه قد آن أن تحلق الجماعة.
أيها المسلمون الصائمون: إننا نخاطب الإيمان الذي في قلوبكم أن تحفظوا نعمة البصر ،ولا تطلقوها في النظر إلى ما حرم الله، فإن النظر سهم من سهام إبليس. إن النظر بمنزلة الشرارة في النار ،تُرمى في الحطب اليابس ،فإن لم تحرقه كله ،أحرقت بعضه ،وكما قيل:
ومعظم النار من مستصغر الشرر
فعل السهام بلا قوس ولا وتر
في أعين الغيد موقوف على خطر
لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
كل الحوادث مبدؤها من النظر
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها
والمرء ما دام ذا عين يقلبها
يسر مقلته ما ضرّ مهجته
إن من غضّ بصره عما حرم الله عليه ،عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه ،فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره في محارم الله ،وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه ،فإن القلب كالمرآة ،والذنوب كالصدأ فيها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي. وإذا صدأت لم تنطبع فيها صور المعلومات ،فيكون علمه وكلامه من باب الخوض والظنون.