هل يليق بأسرة التوحيد أن تكون الأم متخلية؛ عن واجب التربية، والأب جدًا مشغول؛ بالمشروب والمأكول؟ وهل يرضى الله سبحانه أن تصبح مهمة الأب في البيت أن يكون موردًا للمال، ودور الأم الانشغال خارج البيت بالسوق والأعمال؟ حتى ضج الأولاد صارخين إلى أبيهم قائلين:
يا والدي كأننا سكانُ في أحَدِ الفنادقْ
صِرْنا نعيشُ حياتَنا ما بين خادمةٍ وسائقْ
كانت لنا أمنيَّةٌ أن نلتقي والجوُّ رائق
ونراكما في بيتِنا يا والدي ولَوْ دقائق
والأب لا يستجيب لهذه الصرخات، فقد علمه أهل الفساد أن سعادة الأولاد، في جمع المال وتأمين بيت في البلاد، وكذلك الأم قد علمها أبواها أن تحافظ على السلاح في يدها، فلربما طلقها زوجها أو غدر بها أو مات عنها فلا تجد نفسها في الشارع والله المستعان، ولقد مَلَّ الشاعر شوقي من هذه الحياة البائسة ففاضت قريحته بعد أن قلقت راحته فقال آسفا:
ليس اليتيم من انتهى أبوا
هُ مِن هَمِّ الحياة وخلَّفاه ذليلا
إن اليتيم له تجد أُمًّا تَخَلْ
لَت في الحياة أو أبا مشغولا
نعم إن اليتيم الذي فقد حقا والده بموته، وهذا قد أوصى الله تعالى به؛ فهو في الناس ذليل ضعيف كسير، ما أسرع أن تحنو عليه قلوب المحبين للخير، الراغبين في الأجر، لأنهم يعلمون أن أباه قد واراه التراب. أما مَنْ يُرى له أبوان يدخلان ويخرجان، يغدوان ويروحان، يُلبسان أولادهما أنيق الثياب وهم عراةٌ من خير الثياب، ولباس التقوى ذلك خير فمثل هؤلاء لا يلتفت أحد إليهم مع غفلة أبويهم عنهم.
إن رعاية الأبناء ليست طعامًا وملبسًا وشرابًا وحسب، إنما رعايتهم تربيتهم على الفضائل وصحبة الأخيار، ووقايتهم يوم القيامة عذاب النار، وكذلك بث الحنان بين جوانحهم وترطيب قلوبهم بالعاطفة الرحيمة، ولا يكون ذلك إلا من أب رحوم وأم رءوم.