أيها المسلمون، أيها الصائمون، وقد أظلكم شهر رمضان شهر الصيام وشهر القرآن شهر التراويح والتسابيح وموسم الخير والطاعات وشهر العزة والانتصارات، إنه محطة الإيمان الذي يتزود فيها المسلم بزاد التقوى، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] ، ويشحذ همته ويقوى عزيمته، ويمتحن صبره ويجدد بيعته لله على الطاعة، باتباع أوامره واجتناب ما نهى عنه، شاكرًا مولاه أن بلغه هذا الشهر الفضيل الذي حرم منه سواه بحلول الأجل والرحيل عن الأهل والمال والولد، فهنيئًا لمن أخذ من يومه لغده، وغنم صحته قبل سقمه، وقوّته قبل ضعفه، وشبابه قبل هرمه، وغناه قبل فقره، فأقبل على الله في هذا الشهر الفضيل، بتوبة نصوح ونية خالصة صادقة، وعزيمة ثابتة على التزام الطاعة وفعل الخيرات، وترك المنكرات، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (1) [1] ، فيا سعادة من حرر النية وعقد العزيمة على صيام رمضان وقيامه، تصديقًا بوعد الله وثوابه وانتظارًا الأجر الجزيل من رب كريم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( كل عمل بن آدم يضاعف، الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف ) ) (2) [2] ، وفي ما يرويه صلى عليه وسلم عن ربه قال الله عز وجل: (( إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه ) ) (3) [3] .
أيها المسلمون، أيها الصائمون، لقد بينت هذه الأحاديث الشريفة عظيم فضل الصيام، فقد اختص الله تعالى الصيام لنفسه، من بين أعمال العبد، وفي هذا تفضيل للصيام، ومن جهة هو دلالة على أوليته على سائر العبادات، فالصوم سرٌ بين العبد وربهُ، وهو أبعد العبادات عن مظاهر الرياء، فالصائم يخشى الله ويرغب في ثوابه، يدع شهوته وطعامه من أجل الله،.