ففي هذه الآية الكريمة بيان من الله سبحانه وتعالى لعموم المؤمنين أنه كتب عليهم ـ أي: فرض عليهم ـ الصيام كما فرضه على الذين من قبلهم. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ترجِّي في حقهم وتوقّع منهم لا في حقه سبحانه وتعالى لأنه هو الآمر لهم.
وفي الآية دلالة على أن الصيام باعث على التقوى؛ ذلك أنه ـ أي: الصيام ـ مكفر للذنوب، ماح للخطايا، ومضيق لمسالك الشيطان، يدفع الصائم إلى مراقبة الله وخشيته، فكان الصوم جامعًا لكل أبواب الخير، مبعدًا الإنسان عن سفاسف الأمور ورذائلها، وهذا هو التقوى، لأن التقوى هو فعل المأمور واجتناب المحظور.
يقول الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] .
فقوله تعالى: وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ إشارة إلى من توفرت فيهم تلك الصفات الحميدة والخصال المنيفة؛ فالتقوى جامع للخير كله.
ولذلك كان الصيام باعثًا من بواعث التقوى، دافعًا الصائم إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات والسيئات.
فيا عباد الله، إن شهر رمضان خصه الله بمزايا وفضائل عظيمة، يختص بها شهر رمضان عن سائر شهور العام، فحري بنا أن نغتنم قدومه وننتهز فرصة حلوله بين المسلمين، فهو شهر التقرب إلى الله بصالح الأعمال من صيام وقيام وزكاة وقراءة قرآن واعتكاف وتهجد وكف عن كل المحرمات وبعد عن المشتبهات.