فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 2991

ومن معاني الصيام أن فيه تحقيقًا للاستسلام والعبودية لله جل وعلا؛ إذ الصوم يربي المسلم على العبودية الحقة، فإذا جاء الليل أكل وشرب امتثالًا لقول ربه الكريم: وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] ، وإذا طلع الفجر أمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات امتثالًا لأمر الله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّواْ الصّيَامَ إِلَى الَّيْلِ [البقرة: 187] ، وهكذا يتربى المسلم على كمال العبودية لله، فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية ليست مجرد أذواق وشهوات وأمزجة، وإنما هي طاعة لله تعالى وتنفيذ لأمره، وإذا أمره ربه بعد رمضان على الجماعات في المساجد حضر، وإذا أمره ربه بترك الربا في معاملاته ترك، فالطاعة والامتثال ليس في رمضان بترك الأكل والشرب، بل هي الطاعة الكاملة المطلقة في كل وقت وفي كل حين حتى يأتيك اليقين، وإلا فهو تلاعب وليس طاعة لله. وإن العبودية لله سبحانه لهي الحرية الحقيقة، وكمال الحرية من كمال العبودية له عز وجل؛ ولذلك قال عياض رحمه الله:

ومما زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيّرت أحْمد لي نبيا

هكذا يتربى المؤمن على معنى الاستسلام والعبودية لله تعالى، بحيث يأمر بالشيء فيمتثل، ويأمره بضده فيمتثل، سواء أدرك الحكمة أو لم يدركها.

ومن معاني الصوم العظيمة أيضًا أنه تربية للمجتمع، وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صيامًا كلهم فإن الصوم يكون يسيرًا عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي يلتقي عليه الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت