فمن معاني الصوم أنه مرتبط بالإيمان الحق بالله جل وعلا، ولذلك جاء أن الصوم عبادة السّر؛ لأن الإنسان بإمكانه أن لاّ يصوم إذا شاء، إذًا فالصوم عبادة قلبية سرية بين العبد وربه، فإنّ امتناع العبد عن المفطرات على الرغم من استطاعته الوصول إليها خُفيَةً دليل على استشعاره اليقيني لاطّلاع الله تعالى على سرائره وخفاياه، وفي ذلك بلا ريب تربية لقوة الإيمان بالله جل وعلا، وهذا السر الإيماني يجري في سائر العبادات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه.
انظروا ـ رحمكم الله ـ مثلًا إلى الوضوء الذي يتطهر به العبد من الحدث، فإن فيها دلالة على إيمان العبد بأن الله تعالى رقيب عليه مما يحمله على أداء تلك الأمانة السرية بينه وبين ربه، ولو أتى إلى الصلاة بدون طهور لما علم الناس بذلك. انظروا كذلك إلى الصلاة، ألا ترى أن المصلي يقرأ في قيامه الفاتحة، وفي ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم، و في سجوده يقول: سبحان ربي الأعلى، وفي جلوسه بين السجدتين يقول: رب اغفر لي، وفي التشهد يقول: التحيات لله، وكل هذا يقوله سرًا لا يسمعه مجاوره الملتصق به، أتراه لو لم يكن مؤمنًا بعلم الله تعالى بهمسات لسانه وخواطر ذهنه ووساوس قلبه، أتراه يدعو ويذكر الله عز وجل في صلاته بهذه السرية التي لا يطّلع عليها إلا ربه سبحانه، وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] .
ومن معاني الصيام أيضًا ـ أيها الإخوة ـ أنه يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، فحين يتخلى الصائم عن بعض الأمور الدنيوية تطلعًا إلى ما عند الله تعالى من الأجر والثواب فلأن مقياسه الذي يقيس به الربح والخسارة مقياس أخروي، فهو يترك الأكل والشرب والملذات في نهار رمضان انتظارًا للجزاء الحسن يوم القيامة، وفي ذلك توطين لقلب الصائم على الإيمان بالآخرة والتعلق بها والترفع عن عاجل الملاذّ الدنيوية التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.