إنَّ علوَّ الهمة أنْ لا تقف دون السَّعي إلى الخير والبرّ , وأن تواصل في تربية نفسك على العلم والعبادة والفضائل والأخلاق , مستسهلًا جميع الصِّعاب , ناظرًا بقلبك إلى عظيم الثَّواب في دار المآب . ومتى عَلَتِ الهمة فلا تقنع بالدُّون , ولا تبيع حظَّها من الله وقربها والأنس به بشيء من الحظوظ الدُّنيويَّة الخسيسة الفانية , فعلوُّ همة المرء عنوان فلاحه , وسُفُول همته ودناءة مطالبه عنوان حرمانه , وكمال الإنسان إنما يتمُّ بنوعين: همةٌ في سبيل الخير ترقِّيه , وعلم نافعٌ يبصِّره ويهديه [مستفادة من كلام ابن القيم رحمه الله] , ومن إشارة ابن الجوزي إلى هذا الأمر أنه قال: (الهمة تُولد مع الآدميِّ , وإنما تقصُر بعض الهممِ في بعض الأوقات , فإذا حُثَّت سارت , ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسَلِ المنعم , أو كسلًا فسَلِ الموفِّق , فلن تنال خيرًا إلا بطاعته , فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد ؟ ومن الذي أعرض عنه ففاز بخيرٍ وفائدةٍ أو حَظِيَ بغرضٍ نفيس ) أهـ .
نعم - أحيانا بسبب العجز أو الكسل أو استحواذ الشيطان وتسويل النَّفس الأمَّارة بالسُّوء تقصر بعض الهمم أحيانًا , فهنا تحتاج إلى إيقاظٍ وتنبيه , وحثٍّ وتذكير , برضا من تطلب ؟ وفي أي نعيم ترغب ؟ ومن أي عقاب ترهب ؟ .
كما فعل بعض الصَّالحين , فحين قُتل جعفر بن أبي طالب ? في غزوة مؤتة أخذ الرَّاية عبد الله بن رواحة ? ثم قدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزِل نفسَه , ويتردَّد بعض التردُّد ثم قال:
أقسمتُ يَا نفسُ لَتَنْزِلِنَّهْ لَتَنْزِلِنَّ أو لَتُكْرَهِنَّهْ
إِن أجلبَ النَّاسُ و شدُّوا الرَّنَّة مَا لي أراكِ تكرهينَ الجنَّة
وَقال:
يَا نفسُ إن لا تُقتَلي تَموتِي هَذا حِمَامُ الموتِ قد صَلِيتِ
ومَا تمنَّيتِ فقَد أُعطِيتِ إنْ تفعلي فِعلَهُمَا* هُدِيتِ
وَإنْ تأخَّرتِ فقَد شَقِيتِ
* يريدُ صاحبيه زيدًا وجعفرًا , ثم قاتل حتى قُتل .