الأمر الثاني: الخوف من ركون المسلم إلى المقام في دار الكفار وتكثير سواد الكافرين وتقليل سواد المسلمين، والاضطرار إلى مزاولة المنكرات.
قال السرخسي في تعليل كراهة الزواج بالحربية: (أنه إذا تزوجها ثمة، ربما يختار المقام فيهم ... )
المبسوط - (6/ 161) .
وقال الحطاب عند قول خليل:"وتأكد بدار الحرب": (قال ابن عرفة عن عياض أشد ما علل به فيهما سكناه معها بدار الحرب حيث يجري حكمهم عليه وهو بإجماع جرحة ثابتة) .مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل - (5/ 134 (
الخلاصة:
أن الأصل في نكاح نساء أهل الكتاب هو الحل دون تفريق بين كونهن في دار الكفر أو دار الإسلام لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] ولم يرد في النصوص الشرعية ما يقيد هذا العموم أو يخصصه.
وهذا وحده كاف لترجيح القول بالإباحة.
وقد رأينا كذلك أن من قال بالتحريم أو الكراهة في هذه المسألة إنما قال ذلك لمراعاة الولد أو خشية الإقامة في دار الكفر ولا شك أن هاتين العلتين منتفيتين في حق من حرص على العزل أو عدم التسبب في الإنجاب، وكذا من كان زواجه غير حامل له على الإقامة في دارهم.
وبكل حال فإن هذه العلل تنتفي في حق من اضطر إلى نكاح الكتابية للتمويه إن حرص على العزل.