وجيء به إلى المدينة ورُبط في سارية المسجد، فقال: يا محمد بمَ أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟. يعني الناقة التي معه.
قال: (أخذتك بجريرة حلفائك من ثقيف) ؛ لأنهم أخذوا رجلين من المسلمين، ثم تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذهب.
فناداه: يا محمد، قال له: ما لك؟ قال: إني جائع فأطعمني وإني عطشان فاسقني، قال: ألهذا دعوتني؟ ثم تركه وذهب.
فناداه: يا محمد. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا رحيمًا -هكذا جاء في الحديث- رقَّ له فرجع له مرة أخرى، قال: ما لك؟ فقال: إني مسلم، قال له: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ففادى به النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجلين من ثقيف.
قال العلماء: النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: لو قلتها وأنت تملك أمرك -قبل أن تقع في الأسر- أفلحت كل الفلاح، يعني لما كنت أولًا مقيدًا ولما فادينا بك؛ لأنك كواحد من المسلمين. أما الآن فقد أفلحت بعض الفلاح حيث عصمت دمك عندما قلت: إني مسلم.
الأمر الثالث: المفاداة بالمال، وهذا أيضًا ثبت بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقول الله -عز وجل-: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}
وكذلك قول الله -عز وجل- بعد أن أخذ المسلمون المفاداة في أسرى بدر قال الله -عز وجل-: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد فادى أسارى بدر بالمال، أخذ مالًا مقابل إطلاق سراحهم، فهذا جائز أيضًا.
الأمر الرابع: هو القتل، إذا رأى الإمام أن يقتل هؤلاء الأسرى أو أن يقتل بعضهم فيجوز له ذلك، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}
ودلَّ عليه عموم قول الله -عز وجل-: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} هذه العمومات، وكما ذكرنا من قبل فإن دماء أهل الشرك والكفر على أصل الإباحة.
وثبت قتل الأسرى على وجه الخصوص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريقه إلى المدينة بعد غزوة بدر قتل النضر بن الحارث وقتل عقبة بن أبي معيط، وقتل يوم قريظة بين الستمئة إلى السبعمئة من أسراهم، يعني من رجالهم، فهذا يجوز؛ ولذلك يجوز قتل الأسرى.