قال:"وزاد الإمام في المغني العبد والفلاح"يعني الذي لا يهمه من حكَم، إنما همه فقط أن تبقى له مزرعته ليعمل فيها، وقد روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال:"اتقوا الله في الفلاحين الذين لا يصبون لكم الحرب"يعني لا تشغلوا أنفسكم بهم، فإن لهم دنياهم يشتغلون فيها.
قال:"ولأن الصحابة -رضي الله تعالى عنه- لم يقاتلوهم حين فتحوا البلاد ..."
قال:"هؤلاء الذين ذكرهم جميعًا القيد الذي يحرم معه قتلهم أن يكونوا لا رأي لهم"بمعنى أنهم لا يشاركون برأيهم في الحرب، يعني ليسوا أصحاب تدبير ولا أصحاب مشورة في الحرب، فإذا صار الواحد منهم صاحب رأي وتدبير فإنه يقتل هنا؛ لأنه انتقل إلى صفة المقاتلة، وخرج من الحالة التي كان هو فيها وحرُم بسببها دمه؛ لأن القتال كما يكون بالفعل يكون أيضًا بالرأي.
وورد أن دريد ابن الصمة في غزوة حنين وهو كان رجلًا فانيًا حتى ذكر أن عمره قد بلغ المئة والعشرين سنة، ففي ذلك الوقت قتله بعض الصحابة ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم قتله؛ لأنه كان مشيرًا يعني كان صاحب رأي في هذه المعركة، وكما قال المتنبي:
الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ ... هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني
فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلّ مكان
وَلَرُبّما طَعَنَ الفَتى أقْرَانَهُ ... بالرّأيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الفرسان
إذن الحالة الأولى التي يستثنى فيها قتل هؤلاء: إذا كانوا ذوي رأي وتدبير في الحرب، يعني رأيهم يتعلق بالحرب والقتال.
الأمر الثاني: إذا قاتلوا، إلا أن يقاتلوا، يعني إذا قاتلوا فعلًا أو قولًا جاز قتلهم باتفاق العلماء، ليس في هذا خلاف بين العلماء، وذكر هذا الإجماع غير واحد منهم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني الدليل على أن الواحد منهم إذا قاتل قُتل- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى الصحابة مجتمعين على شيء فأرسل رجلًا فقال: (اذهب فانظر علامَ اجتمع هؤلاء)
فقال:"على امرأة قتيل"يعني على امرأة مقتولة، فعيل بمعنى مفعول.