"ويبعث العيون على العدو ممن له خبرة بالفجاج"أي الطرق، لا أن يبعث واحدًا لا يعرف الطريق فيضيع فيجد نفسه في مركز العدو! لا بد أن يبعث رجلًا خبيرًا بالطريق يعرف من أين يدخل ومن أين يخرج، وكيف يتصرف أيضًا.
"حتى لا يخفى عليه أمرهم"أي أمر أعدائه.
"ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي"هذه من أهم النقاط التي يراعيها الأمير، وهو ألا يجتهد فقط في إصلاحهم في أمورهم الظاهرة في سلاحهم وفي جعبهم وفي أحذيتهم وفيما عندهم وفي الطرقات التي يسلكونها والأماكن التي ينزلون عليها، بل لا بد أن يلاحظ وأن يراقب جيشه ويمنعهم من الفساد، ومن معصية الله -سبحانه وتعالى-، من الفساد: كالغيبة والنميمة، وإفساد القلوب فيما بينهم؛ لذلك قال هناك:"ويخرج من يبث العداوة بينهم"فلا بد أن يمنع جيشه، ليس العلاج فقط أن تطرد المفسد بل لا بد أن تسعى للإصلاح أيضًا، لإصلاحه وتخويفه من الله -سبحانه وتعالى- وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ومناصحته.
قال:"ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي؛ لأنها سبب الخذلان، وتركها داعٍ للنصر وسبب للظفر، ويمنع جيشه أيضًا من التشاغل بالتجارة المانعة لهم من القتال"يعني لا أن يجدوا صفقة فيتركوا الجيش ويتركوا الأسلحة ويذهبوا ليشتغلوا في التجارة وفي الأسواق يبيعون ويشترون! إذن الأمير له أن يقيد المباح، البيع والشراء شيء مباح صحيح؟ لكن في هذا الموطن له أن يقيدهم، يعني أن يمنعهم من أمر مباح، وذلك كما فعل عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- في غزوة ذات السلاسل عندما أمَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - على جيش فيه أبو بكر وعمر وغيرهم من الصحابة فمنعهم عمرو بن العاص من أن يوقدوا نارًا، وأغلظ لهم في القول لمن يمكن أن يوقد النار، فمنعهم من أمر مباح مع شدة البرد ومع عدم بيانه لسبب هذا المنع، حتى جاؤوا واشتكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعندما سأله قال:"خشيت أن يرى العدو قلَّتهم"يعني يرى هؤلاء أوقدوا نارًا وهؤلاء أوقدوا نارًا والعدو عنده رصد وعنده جواسيس فإذا رأى كم يوجد من النار المشتعلة، عشرين، كل واحدة عليها خمسة يعني عددهم كلهم مئة! فيعد لهم جيشًا ويغزوهم. إذن يجوز للإمام أن يقيد المباح إذا كان فيه مصلحة للجيش.