فهؤلاء شددوا في إنكار التدليس، لكن ليس فيهم من جرح راويًا بالتدليس، فرد حديثه بذلك مطلقًا.
وبين الشافعي فيما سيأتي من عبارته أن التدليس ليس كذبًا يرد به كل حديث الراوي، وقال ابن رجب:"هذا أيضًا قول أحمد وغيره من الأئمة" [1] .
قلت: التهمة بالتدليس جرح، لكنه نسبي، فهو لا ينافي الثقة، وما من أحد شدد في التدليس إلا روى عمن ذكر به، وشعبة من أظهرهم في ذلك روى عن جماعة من شيوخه من المعروفين بالتدليس، كأبي إسحاق السبيعي والأعمش من أئمة زمانه، فما منعه وقوع ذلك منهم من الرواية عنهم، ولا دعاه إلى الطعن عليهم.
والمذاهب المعتبرة لأهل العلم في حديث المدلس الذي لا يذكر فيه السماع تحصر في الأربعة التالية:
المذهب الأول: قبول روايته مطلقًا ما دام ثقة، ولم يتبين فيها علة قادحة، وإن لم يبين سماعه.
وهذا يمكن أن تنزل عليه مذاهب من رأى قبول المراسيل؛ لأنه في التحقيق أولى بالقبول من المرسل فالمرسلُ قد عمل في الانقطاع جزمًا، والمدلس انقطاعه على سبيل المظنة الواردة بسبب العنعنة.
وممن ذهب إلى هذا أبو محمد ابن حزم، فقال:"نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: (أخبرنا فلان) ،"
(1) شرح علل الترمذي (1/ 356)