ولما كان قد يقع بما ليس بجارح على التحقيق، أو يكون جرحًا نسبيًا يرد على بعض حديث الراوي لا على شخصه، كما تقدم في (المبحث الأول) من هذا الفصل، كما لا يمكن ادعاء سلامة أحد من النقاد من الوقوع في جرح الراوي بما لا يعد جارحًا في التحقيق.
لذا؛ فإنه لا يجوز تأصيلًا تسليم كون الراوي مجروحًا حتى يوقف على سبب الجرح، فيتبين أنه قادح فيه أو في حديثه.
فإن قلت: فماذا إذا لم يأت في الراوي إلا جرح مجمل، ولم يعدل، فهل يستعمل ذلك الجرح أم لا؟
قلت: نعم، يستعمل ذلك الجرح ما دام استعماله في حق ذلك الراوي ممكنًا، بل إعماله أولى من إهماله، لصدوره من ناقد عارف، لكن لا على تسليم صحة جرح الراوي بمجرد ذلك، ولكنا حيث اشترطنا ثبوت عدالة الراوي لقبول حديثه، وأن غير ثابت العدالة لا يخلو من أن يكون مجروحًا بسبب من أسباب الجرح، أو مجهولًا، فأدنى ما ننزل عليه حال هذا الراوي أن يكون مجهولًا غير محتج به، فيكون وجه رد حديثه عدم ثبوت العدالة.
وقال ابن حجر:"من جل حاله، ولم يعلم فيه سوى قول إمام من أئمة الحديث: إنه (ضعيف) ، أو (متروك) ، أو (ساقط) ، أو (لا يحتج به) ، ونحو ذلك، فإن القول قوله ولا نطالبه بتفسير ذلك، إذ لو فسره وكان غير قادح، لمنعنا جهالة حال ذلك الرجل من الاحتجاج به، كيف وقد ضعف؟" [1] .
وقد ذهب بعض العلماء، كابن حزم، إلى اشتراط تفسير الجرح مطلقًا، حتى في مثل هذه الحالة [2] ، وهو الأوفق للأصول.
(1) لسان الميزان (1/ 108) .
(2) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (2/ 146) .