جِاحِدِينَ،لاَ يُتَوَّقَعُ إِيمَانُهُمْ،لأَنَّهُمْ لَنْ يُوَجِّهُوا أَنْظَارَهُمْ إِلَى الاعْتِبَارِ بِالآيَاتِ،وَالاسْتِدْلاَلِ بِهَا عَلَى مَا تَدِلُّ عَلَيْهِ مِنْ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ ( وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ ) . [1]
إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة،لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل.
ولكن الحقيقة الواقعة التي أشرنا إليها مرارا،هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية! وأن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون - حين تتفتح وتستيقظ - وتسمع منه الكثير! والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكئ على ما في السماوات والأرض،ويستلهم هذا الكون ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل ..وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه ودون أن يجعل من هذا الكون إلها يؤثر في الإنسان أثر اللّه! كما يجدف بذلك الماديون المطموسون،ويسمون ذلك التجديف مذهبا «علميا» يقيمون عليه نظاما اجتماعيا يسمونه: «الاشتراكية العلمية» والعلم الصحيح من ذلك التجديف كله بري ء! والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات وزاد من الاستجابات والتأثرات وزاد من سعة الشعور بالوجود وزاد من التعاطف مع هذا الوجود ..وذلك كله في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود اللّه،وبجلال اللّه،وبتدبير اللّه،وبسلطان اللّه،وبحكمة اللّه،وعلم اللّه ...
ويمضي الزمن،وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون،فإن كان هذا الإنسان مهتديا بنور اللّه إلى جوار هذه المعارف العلمية،زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون،والأنس به،والتعرف عليه،والتجاوب معه،والاشتراك معه في تسبيحه بحمد اللّه: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ،وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» ..ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد اللّه إلا الموصول قلبه باللّه ..وأما إن كانت هذه المعارف العلمية غير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره،فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة،حين
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1466)