فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 404

إنِّ الأخلاق في السنة النبوية لم تدع جانبا من جوانب الحياة الإنسانية إلاّ رسمت له المنهج الأمثل للسلوك الرفيع في تناسق وتكامل وبناء.فالنبي- صلي الله عليه وسلم- قد بلغ القمة في الأخلاق وأفضل طريق للوصول إلى مكارم الأخلاق هو طريق رسول الله- صلي الله عليه وسلم- والذي خاطبه تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم [1]

وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم،ويعجز كل تصور،عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود،وهي شهادة من اللّه،في ميزان اللّه،لعبد اللّه،يقول له فيها: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند اللّه مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين! ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تبرز من نواح شتى:

تبرز من كونها كلمة من اللّه الكبير المتعال،يسجلها ضمير الكون،وتثبت في كيانه،وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء اللّه.

وتبرز من جانب آخر،من جانب إطاقة محمد - صلى الله عليه وسلم - لتلقيها.وهو يعلم من ربه هذا،قائل هذه الكلمة.ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة،التي يدرك هو منها مالا يدركه أحد من العالمين.

إن إطاقة محمد - صلى الله عليه وسلم - لتلقي هذه الكلمة،من هذا المصدر،وهو ثابت،لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - ولو أنها ثناء - ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب ..تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن ..هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.

ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة،وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة.وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه.ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر.أعظم بصدورها عن العلي الكبير.

وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير،وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا.لا يتكبر على العباد،ولا ينتفخ،ولا يتعاظم،وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير! واللّه

(1) - سهام مهدي جبار، الطفل في الشريعة الإسلامية ومنهج التربية النبوية، ص302 - 303

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت