وعلى آله وصحبه مُدةَ ذِكرِ الذاكِرين وسَهو الغافلين. وبعد؛ هذا كتاب
واحد من الفهم ما أراد؛ لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، حتى أن غير الصحابيّ قد يستنبط من لفظ النبوة ما لا يخطر ببال الصحابي، كما يشهد لذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «رُبّ مبلّغ أوعى من سامع» . وقيل: المراد كونه قاسما الأموال بينهم؛ لأن سبب إيراده أنه صلّى الله عليه وسلّم قسم مالا بينهم فخص بعضهم بزيادة، فقال بعض من خفيت عليه الحكمة: ما سبب ذلك؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: ردّا عليه: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» أي يفهمه في الدين بحيث لا تخفى عليه الحكمة فلا يعترض عليّ؛ لأن الله هو المعطي المانع «وإنما أنا قاسم» فلست بمعط حقيقة حتى تنسب إلي الزيادة والنقص. والمقصود من قوله: «حتى يأتي أمر الله» التأبيد كما في قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ} [هود (11) : 107] . كذا قيل، والأولى إبقاؤه على ظاهره من الغاية؛ لأن المراد بأمر الله الريح اللينة التي تأتي قبل يوم القيامة، يموت بها كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى إلا شرار الخلق. قوله: (وعلى آله وصحبه) عطف على قوله: على أفضل خلقه، لا على محمد، وإلا لزم أن أفضل خلقه مبين بمحمد وآله وصحبه، أو أنه مبدل منه محمد وآله وصحبه. وهذا لا يتوهم إلا على إسقاط «على» من المعطوف، وأما مع وجود «على» فلا يتوهم ذلك. وفي بعض النسخ: وأصحابه بدل صحبه. قوله: (مدّة الخ) ظرف لقوله: أصلي وأسلم، والغرض من ذلك تعميم الأوقات بالصلاة والسلام على النبي وعلى آله وأصحابه السادة الكرام؛ إذ لا يخلو وقت عن وجود ذكر أو غفلة. وقوله: (ذكر الذاكرين) أي لله أو للرسول أو لهما.
وقوله: (وسهو الغافلين) أي عن ذكر الله أو ذكر الرسول أو هما. والأولى أن تكون أل في الذاكرين والغافلين للجنس. والمراد بالسهو: وعدم الذكر ولو عمدا، وإنما عبر به للإشارة إلى أن عدم الذكر عمدا؛ لكونه غير لائق كأنه غير واقع، ولهذه النكتة عبر بالغافلين. والمراد بهم: غير الذاكرين ولو عمدا.
قوله: (هذا كتاب) هكذا في كثير من النسخ، وفي بعض النسخ: وبعد فهذا كتاب. والواو نائبة عن أما النائبة عن مهما. والأصل: مهما يكن من شيء بعدُ فهذا كتاب، فحذفت مهما ويكن ومن شيء وأقيمت أما مقام ذلك. ثم أن بعضهم يقول: أما بعد وهو السنة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان يأتي بها في كتبه ومراسلاته، وقد صح أنه صلّى الله عليه وسلّم خطب فقال: أما بعد. وبعضهم يحذف أما ويأتي بالواو بدلها ويقول: وبعد، كما هنا على ما في بعض النسخ. والظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معنى الإضافة، والمراد به: النسبة التقييدية التي هي معنى جزئي حقه أن يؤدى بالحرف، فإن نوى لفظ المضاف إليه نصبت على @