فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْحَسَنَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَدْخُلُ فِيهَا الْإِيمَانُ، وَالسَّيِّئَةَ يَدْخُلُ فِيهَا الْكُفْرُ، أَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ (فَمِنْ تَعْسِكَ) فَنَقُولُ: إِنْ صَحَّ أَنَّهُ قَرَأَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَا طَعْنَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ ذَكَرَ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ هَذَا الْكَلَامَ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ السَّيِّئَةَ إِلَيْهِمْ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا غَيْرُ مُضَافَةٍ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ قَوْلَهُ: (فَمِنْ تَعْسِكَ) لَا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِنَا: إِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَمِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ إِسْنَادُ جَمِيعِ الْأُمُورِ إِلَى اللَّه تَعَالَى، قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) يَعْنِي لَيْسَ لَكَ إِلَّا الرِّسَالَةُ وَالتَّبْلِيغُ، وَقَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وَمَا قَصَّرْتَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) عَلَى جِدِّكَ وَعَدَمِ تَقْصِيرِكَ فِي أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِ الْوَحْيِ، فَأَمَّا حُصُولُ الْهِدَايَةِ فَلَيْسَ إِلَيْكَ بَلْ إِلَى اللَّه، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) [آلِ عِمْرَانَ: 128] وَقَوْلُهُ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [الْقَصَصِ: 56]
فَهَذَا جُمْلَةُ مَا خَطَرَ بِالْبَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، واللَّه أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ كَلَامِهِ.
(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ...(83)