«فَإِنْ قِيلَ» : إِذَا كَانَ الَّذِينَ أَمَرَهُمُ اللَّه بَرَدِّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَكَيْفَ جَعَلَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) ؟
قُلْنَا: إِنَّمَا جَعَلَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) [النساء: 72] وَقَوْلُهُ: (مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النِّسَاءِ: 66] واللَّه أَعْلَمُ.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا)
إنَّ ظَاهِرَ هَذَا الاستنثاء يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَلِيلَ وَقَعَ لَا بِفَضْلِ اللَّه وَلَا بِرَحْمَتِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ.
فَعِنْدَ هَذَا اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَذَكَرُوا وُجُوهًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: (أَذاعُوا
وَقَالَ قَوْمٌ: رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوهَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ، وَيَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُحْتَمَلٌ.
أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: فَالتَّقْدِيرُ: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا، فَأَخْرَجَ تَعَالَى بَعْضَ المنافقين عن هذه الْإِذَاعَةِ كَمَا أَخْرَجَهُمْ فِي قَوْلِهِ: (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) [النساء: 81] .