وهكذا تصبح الأرض بلمسَة واحدة مصدراً للنشاط والحركة.
* الدعاء له طول وعرض:
والدعاء كلمات يتنفس بها المكروب ، قد تكون خفية همسات نفس ، وقد
تعلو علواً نسبياً فيسمعها المتضرع ومَن يليه ، ولكنها لا تزيد على هذا الحد.
ولا يستطيع الخيال أن يبرزها إلا فِي حدودها الطبيعية.
لكن القرآن - كتاب المعجزات - جعل أمام الخيال من تلك الكلمات الهامسة ، وخلجات النفس المكروبة.
جعل منها دنيا عامرة فسيحة لها عرض يقصر دونه أحدُّ وأقوى بصر.
اسمع إليه يقول: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ(51) .
فهذا الإنسان ظالم كفور لا يلتزم الاعتدال لا فِي حال النعمة ، ولا فِي حال
النقمة.
فإذا كان فِي نعمة نسي معطيها وكفر حقها.
ولكن هذا المعنى أدى فِي صورة شاخصة ومنظر ماثل: (أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ) إنه لعقوق وكفران وسوء معاملة.
فإذا ابتلاه الله بشيء من"الشرِّ"ملأَ الدنيا طنطنة وضراعات
ذاهباً بها فِي كل مكان لا يزال يدعو ويتضرع لتعود إليه السلامة:
(فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) فالدعاء له عرض وطول.
وطوله لا يقع تحت ضابط ، فليوصف عرضه ، وإذا كان العرض هكذا ممتداً. فما بالك بالطول ؟ ليعمل الخيال.
ومثل هذه الصور قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(12) .
فالضر ماس. إذن فهو له جارحة ، وهو لشموله لتفكير الإنسان ، وما يصيب
منه من قلق واضطراب سابغ لكل جزء فيه ، ومحيط به حتى لكأنَّه لا يكاد يُرَى من وراء هذا الغطاء الكثيف.
هذه الاعتبارات أوحى بها قوله تعالى: