وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير محاسبة لنفسه ، خشية نفاد
ما بيديه لأنه غني.
وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَن يشاء ، حيث لا يكون فِي حسبان
المرزوق جهة وكيفية الأرزاق ، لأن ذلك قد اختص الله به.
وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَن يشاء بغير معاقبة أو محاسبة له على
عمله لأنه يغفر لمن يشاء ، ويعذب مَن يشاء لا معقب لحكمه.
وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَن يشاء رزقاً كثيراً ، لا يدخل تحت
حساب أو حصر.
هذه خمسة معان احتملتها هذه الكلمة الجامعة لا يشذ واحد منها عن
طبيعتها وإن بدا بينها - أي المعاني - التباين فِي الأرجحية والمرجوحية.
فأقواها فيما يبدو: الرزق الكثير ، وأقلها قوة - فيما يبدو كذلك - أن يترك الله حسابه ومعاقبته إذ لا ضرورة تقتضيه ، هو وجه محتمل فقط.
* الجمل والفقرات:
ذلك شأن مفرداته. أما شأن تراكيبه فعجب عاجب.
ومن ذلك قوله تعالى:
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21) .
فقد حَكى الزمخشري فِي بيان قوله تعالى: (سَوَاء فحْيَاهُمْ) ثلاثة آراء:
الأول: إنكار أن يستوى المسيئون والمحسنون محياً ، وأن يستووا مماتاً ،
لافتراق أحوالهم.
إحياءً: حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات ، وأولئك على ركوب
المعاصي.
ومماتاً: حيث مات هؤلاء على البشر بالرحمة والوصول إلى ثواب الله
ورضوانه وأولئك على اليأس من رحمة الله ، والوصول إلى هول ما أعد لهم.
الثاني: إنكار أن يستووا فِي الممات كما استووا فِي الحياة ، لأن المسيئين
مستو محياهم فِي الرزق والصحة. كما يرزق المحسنون ويصحون.
وإنما يفترقون فِي الممات.
الثالث: أن يكون: (سَواءً محْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) كلاماً مستأنفاً