عليه من غير استكمال الأدوات وبذل غاية الوسع ، هو ما يدفع البعض إلى إنكاره ، أو عدم الاهتمام بما يقال فيه على أقل تقدير .. وقد سبق أن ذكرنا شيئاً من ذلك فيما نقلنا عن الإمام الفراهي عند الحديث عن أهمية علم المناسبة ، وهو ما سنشير إليه لاحقاً أيضاً فِي النوع الثالث من أنواع المناسبة .
* ثالثاً: المناسبة بين السور (القرآن كوحدة واحدة) :
وهذا النوع أدقُّ وأغمض من سابقيه ، وهو النظر إلى القرآن الكريم كلِّه على أنه (كلمة واحدة) - كما قال الزركشي فِي تعبيره المكثَّف (1) - وهو ما عبر عنه أديب العربية الكبير الأستاذ مصطفى صادق الرافعي - رحمة الله عليه - (1881 - 1937م) بـ (روح التركيب) فِي القرآن .. وفي ذلك يقول - ببيانه العالي ، وديباجته الرائعة -:
.. وفي القرآن مظهر غريب لإعجازه المستمر ، لا يحتاج فِي تعرُّفه إلى رويَِّةٍ ولا إعنات ، وما هو إلا أن يراه من اعترض شيئاً من أساليب الناس حتى يقع فِي نفسه معنى إعجازه ؛ لأنه أمر يغلب على الطبع ، وينفرد به ، فيُبين عن نفسه بنفسه ، كالصوت المطرب البالغ فِي التطريب .. لا يحتاج أمرؤ فِي معرفته وتمييزه إلى أكثر من سماعه ! ذلك .. هو وجه تركيبه ، أو هو أسلوبه ، فإنه مباينٌ بنفسه لكلِّ ما عرف من أساليب البلغاء فِي ترتيب خطابهم ، وتنْزيل كلامهم ، وعلى أنه يواتى بعضُه بعضاً ، وتناسب كل آية منه كل آية أخرى فِي النظم والطريقة ، (وتترابط كل سورة منه مع سابقتها ولاحقتها فِي الروح العامة) .. على اختلاف المعاني ، وتباين الأغراض .. سواء فِي ذلك ما كان مبتدأ به من معانيه وأخباره ، وما
(1) البرهان ، 1/39 .