يكفي التعلق على أيِّ وجه ؛ لأن المقصود تأكيد أمر القرآن والحث على الإيمان ؛ ولهذا لمَّا فرغ من ذلك قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ...} (الآية/ 23) ، فرجع ثانياً إلى الحديث عن القرآن .
وثالثها الاستطراد: وهو من مقاصد البلغاء ، وذلك كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} (الأعراف/26) .. فهذه الآية أتت على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدوّ السوءات وخصف الورق عليها ، إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما فِي العرى من المهانة والفضيحة ، وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى.
ورابعها _ ويقرب من الاستطراد_ حُسن التخلص: وهو أن ينتقل مما ابتدئ الكلام به إلى المقصود على وجه سهل ، يختلسه اختلاساً دقيق المعنى ، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال إلا وقد وقع عليه الثاني ؛ لشدة الالتئام بينهما . وفي القرآن من التخلصات العجيبة ما يحير العقل ! ومن ذلك ما جاء فِي سورة الأعراف .. فقد ذكر فيها الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة ، ثم ذكر موسى عليه السلام ، إلى أن قص حكاية السبعين رجلاً ودعاءه لهم ولسائر أمته بقوله: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ...} (الآية 156) وجوابه - تعالى - عنه .. ثم تخلص بمناقب سيدنا محمد (، بعد تخلصه لأمته ، بقوله: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ..} إلى أن قال: {.. الذين يتبعون الرسول النبيَّ الأميَّ ...} (الآيتان 156 ، 157) .. وأخذ يذكر صفاته الكريمة وفضائله).
ومن ذلك ما جاء فِي سورة الكهف .. فقد حكى قول ذي القرنين فِي السدِّ بعد دكِّه - الذي هو من أشراط الساعة - .. ثم ذكر النفخ فِي الصور ، وذكر