بها ، والآيات المدخولة كلها معلومة الربط بما قبلها أو بعدها ، وقد قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} .
وإما أن يقول * * بأن الله تعالى لم يُرِدْ أن ينزِّل كلامه منظماً ، كما لم يُرِدْ أن يجعله شعراً أو سجعاً ، أو غير ذلك مما يراعي فيه المتكلم من البدائع والتكلف ، إنما هو كلامٌ أُريد به الهداية والحكمة ، فأنزل حسب ما اقتضت الأحوال من الدلائل والشرائع ، وربما اجتمعت المقتضيات من وجوهٍ مختلفة ، فأنزل مراعياً لتلك الوجوه المتباينة سورةً جامعةً لمطالب مختلفة ، احتيج إليها فِي زمان نزولها ، والأحوال والحوادث واقتضاءاتها تُجمع من عللٍ متباعدةٍ فِي زمانٍ واحد ، فالسورة تجمع جملاً ، كلها تكون على حِدتَها فِي غاية الحسن والنظام ، وأما مجموع هذه الجمل فلا معنى لالتماس النظام فيه ، وقد بين ذلك بعض أكابر العلماء ... فأقول: لولا رعاية النظم فيه لما وجدنا الكلام الطويل مبنياً على أسلوب جامع ، أو كلمة ناظرة إلى كلمة سابقة بعيدة عنها . مثلاً: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (الآية 2) سيق فِي أول البقرة ، ثم جرى الكلام إلى ذكر أهل التقوى ، فجاء قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (الآية 177) ناظراً إلى ما سبق . والتأمل فِي نظم ما بينهما ، وفيما بعد ذلك ، يبين أن ذلك ليس بمحض الاتفاق . ولذلك أمثلة كثيرة أوضح مما ذكرنا )) (1) .
انتهى كلام الشيخ الفراهي - رحمة الله عليه - .. وقد رأيتُ أن أنقله كاملاً - على طوله - لنفاسته من جهة ، ولاستيعابه من جهة ثانية ، ولما فيه من
* بالمطبوعة: عليم . وهو خطأ طباعي .
* * هذا هو القول الثالث الذي أشار إليه الفراهى فِي بداية كلامه .
(1) دلائل النظام ، ص 40 .