القول بعدمه ، وذلك لغموضه ودقته.. فتركوا هذا المسلك ولم يحولوه إلى قصور أفهامهم . (...)
والثاني - وليس بأدونَ من الأول ، ولكن الأول يتعلق بالمصنفين ، والثاني يتعلق بالناظرين فِي كلامهم -: هو أن أكثر من ذهب إلى وجود النظم - كالإمام الرازي ، رحمه الله - قنع فِي هذا الأمر الصعب بما هو أهون من نسج العنكبوت ، مع سبقه الظاهر فِي العلوم النظرية والذكاء ؛ فمن نظر فِي كلامه تيقن بأن النظم لو كان كما يدعيه هذا الإمام المتبحِّر وأمثاله لما خفي عليه مع خوضه فيه . وإذ لا يأتي فيه ، هو ولا غيره ، إلا بكل ضعيف ؛ فلا مطمع فيه لأحد بعد هؤلاء . فإما بقي على قوله بوجود النظم ، ولكن يئس من علمه وأغلق بابه ، فإن سمع أحداً يدعوه إليه لم يسمعه . وإما صار إلى الرأي الذي ظنه أسلم ، وهو أن القرآن إنما نزل منجَّماً مفرقاً ، فلا يطلب فيه نظام* .
* جاء هنا فِي حاشية الكتاب:
(( اعلم - هداك الله - أن من أساء الظن بهم ، أولى بالخطأ ممن قصّر فيه ، فإن سوء الظن منهم مبنيٌّ على قلة مسامحتهم لهؤلاء الأذكياء ، وقلة قدرهم لهذا العلم الشريف ، فإنهم لو أنصفوا ؛ لشكروا سعيهم . فإن من يخوض على الدرِّ فِي بحر عميق لا تثريب عليه إن لم يفز بالفرائد ، بل يستحق المدح ، ولما فتح باباً لمن يتبعهم .. فكم ترك الأول للآخر ! ولا شكَّ أن من بين طرفاً من النظم له منَّةٌ على الخلف ، فإن هذا العلم لا مطمع فِي بلوغ نهايته . وأيُّ علم استقصوه ؟ ! فما بالك بما هو بحر لا تنقضي عجائبه ؟ ! ومحاسن نظم الكلام لا تُعرف كلها إلا بعد استقصاء معانيه ، وذلك يُبقي أكثرها مكنوناً .
فالذين أنكروا وجود النظام فِي كتاب الله ، بما وجدوا من الضعف فِي كلام القائلين بالنظم البليغ فيه ، وإن كانوا أقرب إلى الخطأ ممن أساء بهم ظنه - فإنهم أيضاً معذورون فِي إنكارهم ، لأن غرضهم ليس إلا نفي ضعف النظام . فإن عدم القصد لشيء ربما يكون صحيحاً ، ولكن سوء التدبير لذلك الغرض منقصة ظاهرة . ولا شك أن الكلام الذي ليس على نمط متسق ، بل يحتوي على عدة مطالب مقتضبة بعضها عن بعض ، مبنية على أسباب جامعة خارجة عن معنى الكلام ، كما ذهب إليه كثير من أكابر العلماء - لأبعدُ عن النقص من كلام قُصد فيه الوحْدة من جهة النظام ، ثم كان مختلَّ النظم ، أو ضعيف الرباط . فلا شك أن هؤلاء المذكورين لم يقصدوا إلا تبرئة القرآن عن كل منقصة )) .